2021-11-29

فضل يـوم عرفــة والعيـد والأضحيــة
2021-07-16

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يتفيأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ظلال هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجة، إنها العشر الأوائل من هذا الشهر المبارك، وهي أفضل أيام السنة، فَيَا لَهاَ من أيام مباركة عند الله عزَّ وجلَّ، ورحم الله عبداً استقبل هذه الأيام الفاضلة بالتوبة إلى الله وطاعته، وأكثرَ فيها من صالح الأعمال وكريم الفِعَال، فصلّى وصام وتصدَّق واغتنم حياته بفعل الخيرات، فقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني– رحمه الله- في كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" : (والذي يظهر أنّ السَّبَبَ في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتي ذلك في غيره) (1)،  وأفضل هذه الأيام يوم عرفة، هذا اليوم المبارك الذي يوافق يوم الاثنين القادم،حيث يجتمع فيه ضيوف الرحمن  على جبل عرفة في أطهر البقاع،  لتأدية شعيرة من شعائر الإسلام وركن من أركان الدين، وهو يوم تتجلَّى فيه رحمة الله عليهم فيغفر لهم، كما تجلَّت فيه رحمة الله بالمؤمنين جميعاً فأخبرهم بأنه أكمل لهم الدين، وأتمَّ عليهم النعمة  ورضي لهم الإسلام دينا.

يوم عرفة

      من المعلوم أنَّ يوم عرفة الموافق التاسع من ذي الحجة  يوم مبارك، تتنزل فيه الرحمات وهو من الأيام العشر، ومن أعظم مواسم الخيرات، لقول الرسول الأكرم – صلّى الله عليه وسلّم -: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)(2 )، فمن فاته صيام الأيام السابقة من شهر ذي الحجة، فعليه أن يحرص على صيام يوم الاثنين القادم إن شاء الله تعالى.

       وفي هذا اليوم المبارك يتوجه الحجاج إلى الله سبحانه وتعالى بخالص العبادة والدعاء، وببالغ التضرُّع والابتهال والتذلل بين يديه سبحانه وتعالى، هذا المشهد الإيماني العظيم يُباهي الله سبحانه وتعالى به ملائكته المُقربين، كما جاء في الحديث: (... وما من يومٍ أفضلُ عند اللهِ من يومِ عرفةَ، ينزِلُ اللهُ تباركَ وتعالَى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ، فيقولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي ، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي ، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) (3).

     ولم يُرَ الشيطان أذلّ وأحقر من يوم عرفة، وذلك بسبب فضل الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وفتح باب رحمته لقبول توبة العاصين، لقوله – صلّى الله عليه وسلّم –: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ) (4).

خطبة يوم عرفة

في حَجَّة الوداع خطب رسولنا الكريم – صلّى الله عليه وسلّم - خطبته المشهورة في يوم عرفة، حيث ألقى عليهم دستور الحياة ووصيته الجامعة التي تَكفل لهم السعادة في الدنيا والآخرة.

وفي هذه الخطبة العظيمة أَمَّنَ –صلّى الله عليه وسلّم-الناس على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، وليتَ المسلمين حفظوا هذه الوصايا وعملوا بها وَطَبَّقوها، حتى يعيشوا حياة كريمة طيبة.

وفى حجة الوداع أكَّدَ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - على حقوق النساء ونَوَّه بها وبَيَّن ما للنساء من حقوق، ومع ذلك فإنّ بعض المسلمين في عددٍ من البلاد أكلوا ميراث النساء وصادروا حقوقهُنَّ وأساءوا معاملتهن، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

العيد ... دعوات للخير

من المعلوم أنّ العيد في الإسلام يوم فرح وسرور، يُحِبّ الله فيه أن تظهر آثار نِعَمِهِ على عباده.

*وفي العيد دعوة لصلة الأرحام كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: (...وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَليَصلْ رَحِمَه)(5)، وصلة الرحم ليست قاصرة على الأقرباء الذين يصلونك ويزورونك، ولكنّ الصلة الحقيقية الكاملة ينبغي أن تشمل جميع الأقرباء حتى القاطع منهم، لقوله– صلّى الله عليه وسلّم- :( لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)(6).

* وفي العيد دعوة لتأكيد أواصر المَوَدَّة بين الجيران و الأصدقاء، وضرورة التعالي على أسباب الحقد والشحناء .

*وفي العيد دعوة للعطف على الأيتام و الفقراء والمحتاجين ، فتدخل البسمة والفرحة كلّ البيوت ، وتظهر وحدة المسلمين وتكافلهم، فهم كالجسد الواحد ، فليس بينهم محزون ولا محروم.

الأضحيـــة

في هذا العيد شرع الله الأضاحي، تقرُّباً إليه بدمائها وتصدُّقاً على الفقراء بلحمها، والأضحية من شعائر الإسلام ورمز للتضحية والفداء وسنة أبي الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- .

وتصح الأضحية من الإبل والبقر والغنم، ومن الغنم الضأن ما أتمَّ ستة أشهر بحيث إذا وُضع بين الحوليات لا يُمَيَّز عنها، ومن الماعز ما أتمَّ سنة ودخل في الثانية، وتكفي عن ربّ أسرة، ومن الإبل ما أتمَّ خمس سنوات ودخل في السادسة، ومن البقر ما أتمَّ سنتين ودخل في الثالثة، وتكفي عن سبعة.

ووقت ذبح الأضاحي يبتدئ عقب صلاة العيد مباشرة ويمتد إلى اليوم الثالث من أيام التشريق.

وتوزيع الأضحية من السُّـنَّة أن يأكل ثلثها، وأن يهدي ثلثها، وأن يتصدق بثلثها.

* وبهذه المناسبة فإننا نتقدم من أبناء شعبنا الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية بأصدق التهاني والتبريكات بقُرب حلول عيد الأضحى المبارك، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يجعله عيد خير وبركة على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن يأتي العيد القادم وقد جمع الله شملنا وَوَحَّد كلمتنا وَأَلَّفَ بين قلوبنا ، إنه سميع قريب، تقبّل الله منا ومنكم الطاعات ، وكلّ عام وأنتم بخير.

وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:

1- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2/534

2- أخرجه مسلم

3-أخرجه ابن خزيمة   

4- أخرجه مسلم 

5- أخرجه البخاري    

6- أخرجه البخاري