2021-11-29

فـي ذكـرى الهجــرة النبويـــة الشــريفـة
2021-08-06

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

 يجيء هلال المحرم من كلّ عام، ومع شعاعه الفضيّ يذكر المسلمون ساعة الشّدة والعُسر، ساعة النضال والنصر، والإفلات من الأَسْر، تلك الساعة التي بلغ فيها الشرك غايته في إيذاء المسلمين وإيذاء الرسول الأمين محمد –صلّى الله عليه وسلّم-، فيجدِّد في دُنيا الإسلام ذِكرى من أروع الذكريات، وأجلِّها خطرًا، وأعظمِها أثرًا في مسيرة الإنسانية، إنها لحظات حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية وفي عمر الإنسانية، حدَّدت المسار، وأقالت العثار، ومضت بالدعوة إلى الغاية المرجوة، وكلّ خير أصابه المسلمون، وكلّ رشاد ظفرت به البشرية منذ هاجرت رسالة التوحيد إلى يثرب، إنما كانت ثمرة طيبة من ثمار هذه الهجرة المباركة، فبعد أن كان المسلمون يعيشون في المجتمع المكي تحت صُوَر شَتَّى من الإرهاب والتعذيب صَارَ لهم وطن ودولة وكيان .

وفي هجرة النبي – صلّى الله عليه وسلّم – وهجرة أصحابه الكرام- رضي الله عنهم أجمعين- من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، عِبَرٌ ناطقة تستفيد منها الأمة عبر الدّهور ، إذا أرادت أن تكون وثيقة الصّلة بعناصر القُوّة التي تستعيدُ بها ما كان لها من سؤدد وعزّة وكرامة بين الشعوب والأمم ، وسنتحدث عن  مواقف  من الهجرة :

الهجرة فجرٌ جديد

لقد كانت الهجرة  من مكة المكرمة إلى المدينة  المنورة تمحيصاً للمؤمنين ، واختباراً صعباً اجتازوه بنجاح كبير  ، حيث فارقوا أرضهم وديارهم وأهليهم استجابة لأمر الله ،و إعلاء كلمته ، كما كانت الهجرة إلى المدينة المنورة إيذاناً بفجرٍ جديد في تاريخ الدعوة ، حيث أصبح للإسلام دولة
عزيزة الجانب .

     فقد كانوا في مكة أفراداً، فصاروا في المدينة دولة، وكانوا في مكة مضطهدين،  فصاروا في المدينة مُكرمين، وكانوا في مكة فاقدي الأمن، فصاروا في المدينة آمنين، وكانوا في مكة لا يردون عن أنفسهم أَذَىً، فصاروا في المدينة يكيدون مَنْ كادهم، ويرهبون مَنْ يعاديهم، وكانوا في مكة يعبدون الله سِراً، فصاروا في المدينة يرفعون الأذان عالياً مُدَوِّياً خمس مرات في اليوم لا يخافون إلا الله– عزَّ وجلَّ-.

هذه هي هجرتهم ، تَحَوُّلٌ عظيم صاعد في سماء الدعوة ، وعند دراستنا للسيرة النبوية،  نجد أنّ  الهجرة كانت  رحمة من الله لعباده، حيث اشتملت على دروس كثيرة عميقة الدلالة دقيقة المغزى،  بعيدة الأثر .

 حنين الرسول - صلّى الله عليه وسلّم- إلى مكة

هاجر الرسول الكريم- صلّى الله عليه وسلّم- من مكة المكرمة إلى يثرب، وعلَّم الدنيا كلها حُبّ الأوطان والأماكن المباركة والوفاء لمسقط الرأس، عندما ألقى نظرة الوداع على مكة المكرمة وهو مُهَاجرٌ منها، وقال كلمته الخالدة:‏(وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)(1)، وكان فراق مكة عزيزاً  على الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – والصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين - كما ذكرت ذلك كُتُب السّيرة،  فهذا واحد منهم اسمه أصيل جلس يتكلّم عن مكة فقال له النبي – صلّى الله عليه وسلّم -: (يَا أَصَيل دَع الْقُلُوبَ تَقَرْ  فَلا تُذَكرنا).

أجل فما من الوطن بُدّ، وما للإنسان عنه من منصرف أو غنى، في ظلّه يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر، وفي حماه تتجمع أسباب الحياة، وما من ريب أنّ ائتلاف الناس هو الأصل، وسيادة العقل فيهم هي الغاية، ووفرة أسباب العيش هو القصد مِمَّا يسعون ويكدحون، ولكنّ الوطن هو المهد الذي يترعرع فيه ذلك كلّه، كالأرض هي المنبت الذي لا بُدَّ منه للقوت والزرع والثمار.

إِنَّ حبّ الوطن عطاء وليس أخذًا، ودليل أصالة المرء وَنُبله؛ لذلك علينا أنْ نردَّ الجميل لوطننا بالمحافظة عليه، والعمل على ازدهاره وتقدّمه، والدفاع عنه وحمايته من كلّ مكروه، فحبّ الوطن من الإيمان، والعيش فيه مع قسوة الحياة نعمة عظيمة لا يعرفها إلاّ من فقدها.

بين الأمس واليوم

ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! فذكرى الهجرة تُطالعنا اليوم، ونحن نُواجه قوى الشَّرِّ والعدوان وهي أشدّ ضراوة، تُريد أن تقضي من جديد على دعوة التوحيد، فالعيون التي راقبتْ محمداً -عليه الصلاة والسلام- وَبَيَّتَتْ له هي نفسها العيون التي تَكِيدُ لأتباع محمد – صلّى الله عليه وسلّم - في هذا الزمان، وهي نفسها التي تعمل على تهويد المدينة المقدسة بِشَتَّى الطُّرق والأساليب، وذلك من خلال محاولاتهم تهجير المقدسيين من حيّ الشيخ جراح وحي البستان وسلوان والعيساوية، وتغيير أسماء الشوارع، وتزييف المناهج التعليمية ، وإنشاء القبور الوهمية، والتضييق على الشخصيات الدينية والوطنية، وطمس جميع المعالم الإسلامية والمسيحية، وهدم بيوت المقدسيين وإقامة الكُتل الاستيطانية في محاولة لإحداث تغيير ديموغرافي في المدينة لصالح اليهود، كما تعمل على فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك وتنفيذ مخططاتها الإجرامية في التقسيم الزماني والمكاني تمهيدًا لهدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة ما يُسَمَّى بالهيكل المزعوم على أنقاضه لا سمح الله، وما اقتحاماتهم المتكررة للمسجد الأقصى المبارك إلا دليل واضح على ذلك، فليكن لنا في رحاب الذكرى مَدَدٌ يُوَثِّق صلتنا بالله، ويربط على قلوبنا في معركة المصير، حتى نصون الحق، ونسترد الأرض، ونطهر القدس، ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾(2).

هذه بعض العبر والدروس التي ينبغي لنا أن نستلهمها من ذكرى الهجرة النبوية، حيث إِنّ ذكرى الهجرة مُتَجَدِّدة مع الزمن، فيها من الدروس ما يتفق مع كلّ عصر وزمان ، فيها عبرة وعِظَة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

وصلّى الله على سيدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين .

الهوامش:

1- أخرجه الترمذي

2- سورة الروم الآية (4-5)