2021-11-29

فعل الخيــرات ... طريق الفلاح والنجاة
2021-09-10

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

   أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – أنّ رسول الله
– صلّى الله عليه وسلّم – قال : (المُسْلِمُ أَخُــو المُسْلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ،كانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عنْ مُسلمٍ كُرْبَةً ؛ فَرَّجَ اللَّهُ عنه كُرْبَةً من كُرُبَاتِ يَوْمِ القيامةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَةِ ) ( 1 ) .

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب المظالم، باب لا يظلمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ ولا يُسْلِمُهُ.

إِنَّ ديننا الإسلامي الحنيف يحثُّ على فعل الخيرات ، لِمَا لها من دور عظيم في تحقيق التكافل بين المسلمين بقضاء حوائجهم ، وأبواب الخير في هذا المجال كثيرة ، وفي الحديث السابق تجتمع عِدَّة أنواعٍ من القواعد والآداب وصنوف الخير التي يدعو رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- إلى فِعْلها، ومنها : رعاية المسلمين بما يتيسَّر من المال والعون والمساعدة ، وَحُرْمة ظُلْم المسلم لأخيه المسلم ، وعدم تركه مع مَنْ يؤذيه، ووجوب نُصْرته والدفاع عنه ، والوقوف معه عند نزولِ مصيبة أو كُرْبةٍ به، وستره من قبيح فعلٍ فلا يفضحه بل يُسْدِي إليه النُّصح سِرًّا.

 صـور مــن فعــل الخيــرات

من المعلوم أنَّ أفعال الخير كثيرة، ومنها: مساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف، فقد ورد أن رجلاً جاء إلى الحسن بن سهل كي يساعده ويشفع له في حاجة، فَيَسَّر الله الأمر للحسن فقضاها والحمد لله، فجاءه الرجل يُقدِّم له الشكر على صنيعه، فقال له الحسن: علام تشكرنا؟ نحن نرى أنّ للجاه زكاة كما أن للمال زكاة، ثم أنشد قائلاً :  

فُرِضتْ عليَّ زكاةُ ما ملكتْ يَدَيَّ        وزكاةُ جَاهِي أن أُعينَ وأَشْفعَا

فإذا ملكتَ فَجُدْ فإنْ لم تستطعْ         فاجْـهَدْ بوِسْعِكَ كلِّه أن يَنْفعَا

فَضْلُ فِعْلِ الخيرات 

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي،  قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ،  يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) ( 2 ) .

عند دراستنا للحديث السابق يتبين لنا فضل فعل الخيرات من عيادةٍ للمريض، وإطعام للمحتاج، وسقي للماء ، حيث إنّ ذلك كلّه من مكارم الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام، ومن المعلوم أنّ الإنفاق حين يكون في حالة اليُسر أو في حالة السّراء يكون أمراً طبيعياً، لكن حين يكون في حالة العُسْر أو في حالة الضّراء ، فإنه يحمل دلالة واضحة على صدق الإيمان وكماله، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(3).  

عثمان ... والمسارعة إلى فعل الخيرات

لمّا عزم النبي – صلّى الله عليه وسلّم – على غزوة تبوك ، كان المسلمون يُعَانون من جَدْبٍ شديدٍ ، حتى اضطر النبي – صلّى الله عليه وسلّم – إلى رَدِّ مَنْ لا يملك راحلة عن الجهاد ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدّمع .

عند ذلك صعد النبي – صلّى الله عليه وسلّم – المنبر، وحثَّ المسلمين على الإنفاق ، فوقف عثمان بن عفان – رضي الله عنه- وقال : عليَّ مائة بعير بأحلاسها وَرِحَالِهَا يا رسول الله، فنزل النبي
 – صلّى الله عليه وسلّم – درجة وحضَّ الناس على الصّدقة، فوقف عثمان مرة ثانية ، وقال: عليَّ مائة بعير أخرى يا رسول الله ، فتهلَّلَ وجهُ النبي – صلّى الله عليه وسلّم -، ونزل درجة ، وحثَّ الناس على الصدقة، ثم أسرع عثمان- رضي الله عنه-  إلى بيته، وجاء مع النوق بذهب وفضة، ووضعهما بين يدي النبي – صلّى الله عليه وسلّم-،  فقال النبي – صلّى الله عليه وسلّم –: ( غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ، وَمَا أَعْلَنْتَ ، وَمَا أَبْدَيْتَ وَمَا أَخْفَيْتَ ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(4)، وجاء في حديث آخر أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال : (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ)مرتين(5).

إنّ هذا الموقف الكريم من سيدنا عثمان بن عفان- رضي الله عنه-  يُجَسِّد لنا  الهِمّة العالية في التّضحية من أجل إعلاء كلمة الله، و كيف أنه يُخَلِّص النفس من الشُّحِّ والبُخْل،  وَيُزكِّي فيها روح العطاء والتضحية؛ طَمَعاً في الأجر العظيم عند الله عزَّ وجلَّ، كما أنه يُعلِّم الأمة جميعها وجوب المسارعة في فعل الخيرات .

 ولو ألقينا نظرة على واقع مجتمعاتنا لرأينا أنّ أهل الخيرات والصدقات يُبارك الله لهم في أهليهم وأموالهم، بينما نرى العكس عند مَنْ يَصُدُّ عن فعل الخيرات.

نسأل الله العليّ العظيم أن يهدينا إلى فعل الخيرات، إنه على كل شيء قدير

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

-الهوامش:

1- أخرجه البخاري

2- أخرجه مسلم      

3- سورة آل عمران الآية (134) 

4- أخرجه ابن أبي شيبة        

5- أخرجه الترمذي