2021-11-29

البكــاء من خشيــة الله
2021-09-24

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أمّا بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ- رضي الله عنه- قَالَ: ( قَالَ لِي النَّبيُّ
 -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلْيكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ:إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى جِئْتُ إِلى هذهِ الآيَة: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهِيدَاً}[النساء:41] قالَ:حَسْبُكَ الآنَ ، فالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان) (1).

من المعلوم أنّ للقرآن الكريم  منزلة قدسية رفيعة ، وفضائل جليلة مهيبة ، منشؤها أنه كلام الحقّ سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو العاصم من الضلال لمن تمسَّك به واعتصم بحبله المتين،  فهو الكتاب الذي ربط بين جميع المسلمين ، وكان دستورهم في شئون دينهم ودنياهم، والروح الذي أحيا أموات أفئدتهم ، وأزال الغشاوة عن قلوبهم ، والنور الذي أضاء لهم الطريق وسلكوا به سبيل الهدى والرشاد .

وذكر الإمام ابن حجر في كتابه فتح الباري : ( قال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين، قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ}،{خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}، والأحاديث فيه كثيرة، قال الغزالي:  يُستحبّ البكاء مع القراءة وعندها،  وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب) ( 2) .

فضل البُكاء من خشية الله

*إنهم في ظل الله يوم القيامة : كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ:.. وذكر منها:  وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (3) .  

*إنهم في مأمن من عذاب الله: كما جاء في الحديث الشريف عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )(4).  

* إنهم في كنف المحبّة الإلهيَّة:  كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبي أُمامةَ الباهِليِّ- رضيَ اللَّه عنه- عن النبيِّ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ:(لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ فِي خَشْيَةِ اللهِ،وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ...) (5).  

* إنهم في عفو الله ومغفرته: كما جاء في الحديث الشريف عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ – رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ ، كَمَا يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَرَقُهَا)(6) .   

ولو بحثنا في سيرة النبي – صلّى الله عليه وسلّم -وفي حياة الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين-،  لرأينا النماذج الصالحة في بكائهم من خشية الله عزَّ وجلَّ؛ لإنَّ البكاءَ مِن خشية الله - تعالى - مقامٌ عظيم، وهو مقامُ الأنبياء والصالحين.

بكاء رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

يتضح من الحديث السابق الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود  – رضي الله عنه- تَأَثُّر وخشوع الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – حتى ذرفت عيناه الشريفة، وقد ذكر الإمام ابن حجر صاحب كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ( قال ابن بطال- رحمه الله- : " إنما بكى – صلّى الله عليه وسلّم – عند تلاوته هذه الآية  لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدّة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق ، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف ، وهو أمرٌ يحق له طول البكاء"، وقال  ابن حجر – رحمه الله- : " والذي يظهر أنه بكى رحمةً لأمته، لأنه علم أنه لا بُدَّ أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مُستقيماً ، فقد يُفضي إلى تعذيبهم" ) (7).

بكاء أبي بكر الصديق – رضي الله عنه-

كان أبو بكر – رضي الله عنه- رجلاً بكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، كما ذكر ذلك الإمام البخاري في صحيحه في قصة حماية ابن الدغنة لأبي بكر – رضي الله عنه- حيث روت ذلك أمّ المؤمنين عائشة – رضي الله عنها-، زوج النبي – صلّى الله عليه وسلّم –، قالت: (.....فلبثَ أبو بكرٍ بذلك يعبدُ ربَّه في دارِه  ولا يَسْتَعْلِنُ بصلاتِه  ولا يقرأُ في غيرِ دارِه ، ثم بدا لأبي بكرٍ  فَابْتَنَى مسجدًا بفناءِ دارِه  وكان يُصلِّي فيه ويقرأُ القرآنَ، فَيَتقَذفُ عليه نساءُ المُشركينَ وأَبْنَاؤُهُم وَهُمْ يَعْجَبُونَ منهُ  وَيَنْظُرُونَ إليه ، وكَانَ أبو بكرٍ رجلاً بَكَّاءً لا يملِكُ عينَيهِ إذا قَرَأَ القُرْآنَ ، وأفزَعَ ذلك أَشْرَافَ قُرَيشٍ من المُشْرِكينَ...) (8)، وجاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير: ( روى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- أنه قال: لما نزلت {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} وأبو بكر الصديق- رضي الله عنه- قاعد، فبكى حين أُنزلت، فقال له رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – :"ما يُبكيك يا أبا بكر"؟ قال : يُبكيني هذه السورة ) (9).

  أخي القارئ: عليك أن تجتهد في ذكر الموت وما بعده، وأن تُحاسب نفسك: ماذا قَدَّمْتَ لليوم الموعود؟ عسى أن تأخذك الخشية ويملكك البكاء، فتكون مِمَّن استأهلوا الاستظلال في ظلّ عرش الله يوم القيامة، ومِمَّن نجوا من عذاب الله، ومِمَّن شملهم عفو الله ومغفرته، ومِمَّن غمرتهم المحبة الإلهية .

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين .

الهوامش :

1- أخرجه البخاري  

2- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8/717

3- أخرجه البخاري      

4- أخرجه الترمذي

5- أخرجه الترمذي 

6- أخرجه البيهقي  7- فتح الباري 8/718

8- أخرجه البخاري

9- مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 3/667