2021-11-29

في ذكرى تحرير القدس
2021-10-01

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(1 ).

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى عزيزة علينا جميعاً، إنها ذكرى تحرير القدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي-رحمه الله-،  ففي اليوم الثاني من شهر أكتوبر سنة 1187م حرّر القائد صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس من الاحتلال الصليبي، وطَهَّرَ المسجد الأقصى من دنسهم، بعد أن كانت هذه المدينة المقدسة أسيرة لثمانية وثمانين عاماً في أيدي الاحتلال الفرنجي (الصليبيين)، دون إراقة المسلمين لقطرة دمٍ واحدة من الغُزاة، وهي التي سبحت فيها خيول الصليبيين في دم المسلمين، ومن المعلوم أنّ مدينة القدس قد تحرَّرت في ذكرى إسراء الرسول- صلّى الله عليه وسلّم-من مكة المكرمة إليها وذلك في يوم الجمعة 27/رجب /583هـ وفق 2/أكتوبر/1187م.

صلاح الدين الأيوبي ... وتحرير القدس

يُعَدُّ القائد صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- من أشهر الشخصيات العسكرية والسياسية التي يتناولها الدَّارسون في تاريخ الإسلام، فقد حَمَلَ هموم الأمة في قلبه وعقله، فجمع الشمل، وَوَحَّدَ الكلمة ،ورتَّب الجيوش، فكان النصر حليفه، ولمّا استعصى فتح مدينة عكا على القائد المسلم صلاح الدين، استعان بإخوانه من بلاد المغرب العربي الذين أرسلوا أسطول المُوَحِّدين لمساندته، وفعلاً تم فتح  مدينة عكا، وشارك هؤلاء الجند مع القائد صلاح الدين في فتح المدينة المقدسة، وأوقف عليهم القائد صلاح الدين وولده الابن البكر عليّ وقفيةً في المدينة المقدسة عُرِفت بوقفية الملك الأفضل تقديراً لجهودهم في تحرير المدينة المقدسة، وأسكنهم حارة المغاربة بجوار المسجد الأقصى، هذه الحارة التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي وأزالها عن الوجود بعد احتلاله للقدس عام 1967م.

وها هو التاريخ يُعيد نفسه، لنعيش نحن أبناء هذا الجيل، أقسى مراحل تاريخنا، مرحلة النكبة المشؤومة، وضعف وتفكُّك الأمة العربية والإسلامية ، وكيف عَدَا عليها الحاقدون من كلّ حدب وصوب، فاستباحوا أرضها ، ونهبوا ثرواتها، ودنَّسوا مقدساتها، وها هي  القدس يسعى المحتلون الإسرائيليون لتكون عاصمة لهم، ويعملون على تهويدها، حيث إنهم يُخَطِّطُون لمدينة القدس أنْ تندثر وأنْ يندثر أهلها ، ولكنّ القدس ستبقى إسلامية الوجه، عربية التاريخ، فلسطينية الهوية، ولن يسلبها الاحتلال وجهها وتاريخها وهويتها مهما أوغل في الإجرام وتزييف الحقائق.

الثقة بنصر الله 

لقد حرَّم الإسلام اليأس وأوجد البديل وهو الأمل ، وهذا ما علَّمنا إِيّاه رسولنا محمد  –صلّى الله عليه وسلّم- عندما قال لِسُراقة بن مالك يوم لَحِقَ به أثناء الهجرة: عُدْ يا سُراقة وإنني أَعِدُكَ بسوارىِ كسرى ، ما الذي دفع الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – إلى قول ذلك ، إنه الأمل والثقة بنصر الله عزَّ وجلَّ، لأنّ الله لا يُخلف وعده، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنّ الفجرَ آتٍ بإذن الله ، فقد لفظت القدس المحتلين عبر التاريخ، فعلى أرض فلسطين المباركة هُزِم الصليبيون في معركة حطين، كما وهُزِم التَّتَار في معركة عين جالوت، ووقف نابليون بونابرت القائد الفرنسي عاجزاً عن احتلال مدينة عكا، وألقى بِقُبَّعَتِهِ من فوق أسوارها، فهذه المدينة المُقدسة ستلفظ إن شاء الله هذا المحتل كما لفظت مَنْ سبقه من المُحْتلين، ويسألونك متى هو ؟! قل عسى أن يكون قريباً .

صرخة مقدسية ...في ذكرى تحرير القدس

في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، فإنّ عاصمتنا الأبدية مدينة القدس الحبيبة تُخاطب الأمتين العربية والإسلامية، قائلة لهم: لقد طردوا أبنائي وَنَكَّلُوا بهم، وَشَوَّهُوا صورتي العربية والإسلامية، وَحَالُوا بين أحبائي من العلماء والخطباء والسّدنة والمرابطين من الوصول إليّ  لتكتحل عيونهم بالصلاة في المسجد الأقصى والدفاع عنه، وَعَزَلُوني عن مُحيطي الفلسطيني بجدارِ الفصل العنصريّ الذي قَضَمَ الأرض، وبإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية لِطَمْسِ الهوية الإسلامية العربية الفلسطينية داخل أَحْيَائي، وفرضوا الضرائب الباهظة على أهلي، كي يُجبروهم على الرحيل من أرض الآباء والأجداد، وهدموا البيوت، وصادروا الهويات، وَزَيَّفُوا التاريخ، وما يحدث في هذه الأيام من جرائم في حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية وغيرها إلا دليل على ذلك ، و ما زالوا يعملون على تهويدي بكافة السُّبُل المُتَاحة، من خلال إقامة الكُنُس، وعملهم الدؤوب لهدم وإزالة لؤلؤتي المسجد الأقصى المبارك، كي يُقيموا هيكلهم المزعوم بدلا ًمنه، وما اقتحاماتهم اليومية للمسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال عنا ببعيد!.

لذلك فإنني أناشدكم يا أبناء الأمتين العربية والإسلامية أَلاَّ تنسوا مسرى نبيكم محمد- صلّى الله عليه وسلّم- وأهله، وأن تعملوا جاهدين على المحافظة على هذه المدينة المباركة و حماية أقصاها ومقدساتها، فالواجب عليكم دعم أشقّائكم المقدسيين في شَتَّى المجالات كي يبقوا مرابطين ثابتين فوق أرضهم المباركة؛ لأنّ المواطن المقدسي هو الذي يُدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات صباح مساء.

إِنَّ شعبنا الفلسطيني اليوم وفي ظِلِّ الظروف الصعبة التي يَمُرُّ بها  أحوج ما يكون إلى الوحدة، فالقدس لم تُحَرَّر عبر التاريخ إلا بالوحدة،  ولن تتحرّر إلا بالوحدة، فإذا كنا مُوَحَّدين  فإنّ جميع المؤامرات ضدّ شعبنا الفلسطيني سيكون مصيرها الفشل بإذن الله، فعلى صخرة الوحدة تفشل التهديدات وتتحطَّم المؤامرات الخبيثة التي تُُحاك ضِدّ شعبنا المرابط وأرضنا المباركة.

تحية إكبار إلى المرابطين في الأقصى والقدس

إننا نوجه تحية إكبار وإجلال لأهلنا المقدسيين وسدنة الأقصى وحراسه و للمرابطين داخل المسجد الأقصى المبارك وفلسطينيي الداخل، على وقفتهم المشرفة وصمودهم وتصديهم الدائم لقطعان المستوطنين ودفاعهم الدائم عن المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة، حيث إنهم يتصدون لهم بِشتَّى الوسائل المُمكنة دفاعاً عن مسرى النبي –صلّى الله عليه وسلّم-، وهذا يُؤكد ما طالبنا به مراراً وهو ضرورة دعم المقدسيين الذين يُشكّلون خطّ الدفاع الأول عن الأقصى والقدس.

إِنَّ هذه المواقف المُشرفة للمقدسيّين هي صفحة مُشرقة تُضاف إلى الصفحات المُشرقة لنضالات شعبنا عبر التاريخ، فقد علّمت المحتل درساً بأنَّ إجراءاته الظالمة لن تمرّ على شعبنا الفلسطيني ولن يُوافق عليها إطلاقا،  فالمسجد الأقصى المبارك بساحاته وأروقته وكلّ جزء فيه سواء أكان فوق الأرض أم تحتها هو حقٌّ خالص للمسلمين وحدهم، وليس لغير المسلمين حقٌّ فيه.

إِنَّ مدينة القدس  بحاجة إلى خُطوات فعلية تُسهم في المحافظة على عروبتها وإسلاميتها ودعم صمود أهلها، هذه المدينة المُقدسة في أَمَسِّ الحاجة إلى أيِّ جُهْدٍ يُميِطُ اللّثام عما يجري من أعمال بشعة بحقها وتراثها وأهلها، والتي تُشكِّل إهانة للإنسانية ووصمة عارٍ في جبينها. 

فمدينة القدس لا يُمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخَطَّط المحتلون الذين يسعون لطمس طابعها العربي والإسلامي، ومحو معالمها التاريخية والحضارية، وتحويلها إلى مدينة يهودية.

إِنَّ مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة، فهو الشّعب الذي منحه الله عزَّ وجلَّ شرف المرابطة في هذه البلاد المباركة كما جاء في الحديث: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأَوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) (2)،  بل إنها مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في مساندة هذا الشعب، والوقوف بجانبه ودعمه  للمحافظة على أرضه ومقدساته.

فالقدس تنتظر بشغف المواقف العربية والإسلامية التي تحميها من الضّياع والاندثار، كما أنّ المسجد الأقصى المبارك يُخاطب الأمة قائلاً: أدركوني قبل فوات الأوان.

أملنا في الله ثُمَّ في أمتنا كبير ، فالليل مهما طال فلابُدَّ من بزوغ الفجر، وإنَّ الفجر آت بإذن الله،  ويسألونك متى هو؟! قل عسى أن يكون قريباً .

نسأل الله أن يحفظ شعبنا والقدس والأقصى والمقدسات وفلسطين وأمتنا من كلّ سوء 

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

1- سورة الإسراء الآية (1)           

2-  أخرجه أحمد