2021-11-29

في ظلال شهر ربيع الأول
2021-10-08

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (1) .

جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة : [{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي والله لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربياً من جنسهم، عرفوا أمره وخبروا شأنه، وخَصَّ تعالى المؤمنين بالذّكر وإِنْ كان رحمة للعالمين، لأنهم هم المنتفعون ببعثته {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي يقرأ عليهم الوحي المُنَزَّل {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يُطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال {وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة} أي يُعلّمهم القرآن المجيد والسُّـنَّة المُطَهَّرة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} أي وإِنه الحال والشَّأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فَنُقلوا من الظُّلمات إِلى النّور، وصاروا أفضل الأمم ] (2 ) .

يَتَفَيـَّأُ المسلمون في هذه الأيام ظلال شهر كريم – شهر ربيع الأول- ومناسبة عظيمة تتعلّق بأكرم مولود، إنه سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم– الذي أرسله رَبُّه رحمة للعالمين، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (3)، فهو الأُسوة الحسنة والقُدوة الصالحة في أخلاقه وآدابه وتواضعه وحِلْمِه وكرمه وجميل خِصَالِهِ وشمائله – عليه الصلاة والسلام-.

 حاجة البشرية إلى رسول الإنسانية 

لقد صَوَّر أمير الشعراء أحمد شوقي – رحمه الله – حال العالم قبل بعثته– صلّى الله عليه وسلّم–تصويراً صادقاً حكيماً، حيث كانت عبادة الأصنام مُنتشرة، كما كان الظّلم واقعاً ملموساً بين  النّاس، وتنشب الحروب على أتفه الأسباب، وفارس والروم كانتا تعيثان في الأرض فساداً، والناس كالحيتان في البحر يفتك أقواهم بأضعفهم، ذَكَر ذلك – رحمه الله -  في قصيدته المشهورة "نهج البردة" فقال:

أَتَيْتَ والناسُ فَوْضَى لا تَمُرُّ بهم           إلا على صَنَمٍ قد هَامَ فـــي صَنَمِ

والأَرْضُ مَمْلُوْءَةٌ جَوْراً،  مُسَخَّرَةٌ         لِكُلِّ طَاغِيَةٍ في الخَلْقِ مُحْتَكِـمِ

فعاهلُ الرومِ يَطْغَى في رعيته             وعاهلُ الفُرسِ مِنْ كِبْرٍ أصمّ عمِ

وخلال تلك الظّلمات التي سادت الإنسانية وقتئذ جاءت بعثة النبي محمد – صلّى الله عليه وسلّم–؛ لإخراج الناس من الظّلمات إلى النور، من ظُلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظُلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظُلمات القهر إلى نور العدل، فالرسول- عليه الصلاة والسلام- جاء رحمة للعالمين، وكما قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر - رضي الله عنه –: (إنّ الله قَدْ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إلى عِبَادَةِ ربِّ العِبَادِ، وَمِنْ جَوْرِ الأدْيَانِ إلى عَدْلِ وَسَمَاحَةِ الإسْلاَمِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إلى سَعَةِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ).

لقد كان لكم في رسُول الله أسوة حسنة

لقد كانت سيرته- صلّى الله عليه وسلّم- مثالاً يُحْـتَذى به في كلّ شيء؛ لذلك فإنّ المسلمين  في مشارق الأرض ومغاربها يحرصون على  اقتدائهم بصاحب الذكرى – صلّى الله عليه وسلّم– وسَيْرِهم  على هديه – عليه الصلاة والسلام -، حتى يُحَقّقوا خيريَّتَهم في هذا العالم، لأنه لن تتحقّق خيريَّتُهم  إِلاّ باتباع هديه وتعاليمه – عليه الصلاة والسلام-، لقوله سبحانه وتعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(4)، كما تَوَعَّدَ الله سبحانه وتعالى المُعْرضين عن هديِ رسوله– صلّى الله عليه وسلّم–، المُخالفينَ أمْرَهُ بالعذاب الأليم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(5).

ومن المعلوم أنّ عناية الله سبحانه وتعالى قد تكفّلت بتربية نبيه – صلّى الله عليه وسلّم -، فنشأ على أكمل ما تتحلّى به النفوس من محاسن الأخلاق، فقد رفع -عليه الصلاة والسلام-  من شأن الأخلاق في حياة الإنسان، حيث دعا إلى مكارم الأخلاق وحَثَّ على التّمسك بها، فكان خيرَ قُدوة لأمته.

  من خصائص النبي – صلّى الله عليه وسلّم–

   من الخصائص التي خَصَّ الله سبحانه وتعالى بها نبينا– صلّى الله عليه وسلّم-  أنْ جعل رسالته رحمة للعالمين، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}،فرسولنا - صلّى الله عليه وسلّم-بُعث إلى الناس كافة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}(6).

* لقد اختار الله سبحانه وتعالى نبينا– صلّى الله عليه وسلّم– خاتماً للنبيين، لقوله سبحانه وتعالى:{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}(7).

* وقد أعطاه الله سبحانه وتعالى سَبْعاً من المثاني والقرآن العظيم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}(8).

*وأعطاه سبحانه وتعالى  الكوثر ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}(9).

* وأعطاه الله الشّفاعة العُظمى والمقام المحمود، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}(10).

* كما جعل سبحانه وتعالى طاعته – صلّى الله عليه وسلّم– من طاعته، فقال سبحانه وتعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}(11).

عالمية الرسالة الإسلامية

 إِنَّ الرسالة التي جاء بها رسولنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم- رسالة عالمية عامة، وعموم الرسالة الإسلامية جاءت به آيات وَسُنَن، ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أنّ كلّ ما نزل من القرآن الكريم يُفيد عموم الرسالة كان في العهد المكي.

ولأهمية ذلك نقول: إِنّ العهد المكي كان عهد اختناق الدعوة، وكان الإسلام يُعاني من جبروت الوثنيين، فكان القرآن الكريم يتنزل بهذه الرسالة ليست لِقُطْرٍ مُعَيَّن بل للبشرية كلِّها، ولو أنّ الآيات التي تتحدّث عن عُموم الرسالة تنزلت في العهد المدني أو أواخر أيام الرسالة؛ لقال بعض الناس: نبي نجح في أن يفرض نفسه على قومه في شبه الجزيرة العربية، فأغراه ذلك على أن يُوَسِّع نفوذه، لكنّ عموم الرسالة وعالمية الدعوة قد تأكدت منذ اللّحظات الأولى للدعوة في مكة المكرمة من خلال السّور المكيِّة، حيث نجد ذلك واضحاً في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها:

      في سورة القلم المكية: {وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}(12).

      وفي سورة الأنبياء المكية: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

      وفي سورة الفرقان المكية: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}(13).

      وفي سورة سبأ المكية أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}.

      وفي السُّنّة النبوية الشريفة نقرأ الأحاديث التي تُبين أنّ الإسلام سينتشر في جميع أرجاء المعمورة، كما جاء في قوله – عليه الصلاة والسلام- : (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ "يعني أمر الإسلام" مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ)(14).  

فالرسالة الإسلامية العالمية التي حمل لواءها رسولنا -صلّى الله عليه وسلّم- ستبقى ما بقيت الحياة، وستنتشر أنوارها شرقاً وغرباً، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(15).

      ويوم يزول الإسلام من هذه الدنيا فلن تكون هناك دنيا؛ لأنّ الشمس ستنطفئ، والنجوم ستنكدر، والحصاد الأخير سيطوي العالم أجمع.

اللهم أحينا على سُنّة رسولنا محمد –صلّى الله عليه وسلّم-، وأمتنا على مِلّته، واحشرنا في زُمرته، واسقنا يا ربّ من حوضه الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، آمين ... يا رب العالمين.

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

1- سورة آل عمران الآية (164 )

2- صفوة التفاسير للصابوني 1/241

3-  سورة الأنبياء الآية (107)    

4-سورة الأحزاب الآية (21)        

 5- سورة النور الآية (63)

6-سورة سبأ الآية (28)            

7- سورة الأحزاب الآية (40)       

8- سورة الحجر الآية (87)        

9- سورة الكوثر الآية (1)          

10- سورة الإسراء الآية (79)  

11- سورة النساء الآية (80)      

12-  سورة القلم الآية (52)

13-  سورة  الفرقان الآية (1)     

14- أخرجه أحمد      

15- سورة الصف الآية (9)