2021-11-29

في ذكرى المولد النبوي الشريف


2021-10-15

الخطبة الأولى :

أيها المسلمون :

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ* فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.

يعيش المسلمون في هذه الأيام في ظلال أيامٍ مباركة من شهر ربيع الأول، يتفيَّأون ظلالها ويتعلّمون من دروسها وَعِظَاتها، فما أفضل هذه الأيام! إنها ذكرى ميلاد الرحمة المُهداة والنّعمة المُسداة والسراج المنير سيدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم –، الذي أرسله ربه رحمة للعالمين كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، ومن المعلوم أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – قَدْ دعا الناس للعبادة فكان أعبدَ الناس، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق فكان – عليه الصلاة والسلام- أسمى الناس، كما وصفه ربه في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فما أكثر ما قاله – صلّى الله عليه وسلّم- من توجيهات في حُسْنِ الخُلق والصدق والأمانة والإحسان والتّمسك بالفضائل وتجنب الرذائل ،كل هذه المعاني السامية لو تَمَسَّكَ المسلمون بها لكانوا كما أرادهم الله سبحانه وتعالى خير أمة أُخرجت للناس ، ورحم الله القائل:

مَنْ أرادَ النجاةَ غـدًا            فَلْيُطِعِ النبيَّ مُحَمَّدا

إنْ شِئْتُموا أن تَسْلموا            يومَ الحسابِ وَتُرْحَموا

وَتُكَرَّموا وتُنَعَّموا              فَلِهَدْيِ أحمدَ فَالْزَمُوا

وإذا سَمِعْتُم ذِكْرَهُ              صَلّوا عليهِ وسَلِّموا

اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم - وعلى آله وأصحابه أجمعين .

أيها المسلمون :

لقد كان ميلاده – عليه الصلاة والسلام – ميلاد أمة، حيث جاء – عليه الصلاة والسلام – على أُمة مُمزقة مُبعثرة تعبد الحجر والشجر، فجعلهم قادة للبشر، وكانت ترعى الغنم فصارت قائدة للأمم، كان زعيمهم وقتئذ يأتي إلى سيّده من الأكاسرة أو القياصرة، يقف بين يديه ذليلاً ليقول له: عبدك النُّعمان مَاثِلٌ بين يديك، فأخذ بأيديهم من الذّلة إلى العزّة، ومن الضعف إلى القوة، ومن التفرق والشتات إلى الوحدة والقوة، فأصبحت هذه الأمة ذات شأن ومكانة في العالم أجمع، حيث اتّصفت هذه الأمة بميزتين: الأولى: الخيرية: كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللّهِ}، والثانية: الوسطية: كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}؛ لذلك فإنّ لرسولنا- صلّى الله عليه وسلّم- علينا حقوقاً كثيرة، منها:وجوب الإيمان به، واتباعه، ومحبته، والانتصار له، ونشر دعوته، وتوقيره حياً وميتاً، والصلاة عليه-صلّى الله عليه وسلّم- كلّما ذُكِر، فقد أمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام عليه كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الله وَمَلائكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

أيها المسلمون :

إِنّ محبة رسول الله  - صلّى الله عليه وسلّم – واجبة على المؤمنين ، بل هي دليل الإيمان، ومن الآيات الدالة على وجوب محبة الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رحيمٌ}.

 ومن المعلوم أنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره ، والمرء مع مَنْ أحبّ يوم القيامة ، كما جاء في الحديث : ( أنَّ رجلا سأَل النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- : متى الساعةُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال :   ما أعْدَدْتَ لها ؟ ، قال : ما أعْدَدْتُ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدَقَةٍ، ولكني أُحِبُّ اللهَ ورسولَه، قال:  أنتَ مَعَ مَنْ أحبَبتَ) .  

فديننا الإسلامي يُوجب علينا حُبَّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم - :

أليس هو النبيّ الذي رفع الله ذكره، كما في قوله سبحانه وتعالى:  {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.

أليس هو الذي قرن الله طاعته بطاعته، فقال سبحانه وتعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}.

أليس هو الذي قرن الله محبته بالسّير على هديه، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}.

أليس هو الذي سيندم العُصاة على مخالفته، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا}.

أليس هو الذي أمر الله عزَّ وجلَّ المؤمنين بالصلاة والسلام عليه ، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

إِنّ محبة رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – منزلة رفيعة ومقام جليل، لا يَحْظى بها إلا أهل القلوب المُستنيرة  والهِمَمِ العالية، كما جاء في الحديث أنّ رسول الله – صلّى الله عليه
وسلّم– قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى، قَالُوا : يا رسولَ اللهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) .    

أيها المسلمون :

من المعلوم أَنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- قد بدأ دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة ، فها هو – صلّى الله عليه وسلّم – يذهب إلى الطائف لعلَّه يجدُ الأنيس والنصير ، فسَبُّوه وشتموه ورجموه، فجاءه المَلَكُ يَعرِض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين ، فقال -عليه الصلاة و السلام- : (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعلَّ الله يُخرج من أصلابهم مَنْ يُوَحِّدُ الله ) ، لم يشتمهم ولم يلعنهم ، بل دعا الله أن يهديهم، وفعلا استجاب الله دعاءه ، فخرج من صُلْب أبي جهل – عدو الله اللدود – الصحابي الجليل عكرمة، وخرج من صُلْب أمية بن خلف – الكافر- الصحابي الجليل صفوان ، وخرج من صُلْب الوليد بن المغيرة – الكافر – سيف الله خالد.

فعلى الداعية أنْ يُعامل الناس بِلُطْف، وأن يُرغبهم في دين الله ، بالكلمة الطيبة والقدوة الصالحة والنّية الخالصة؛ حتى يوفقه الله ويشرح صدور الناس لقبول دعوته بفضله سبحانه وتعالى، فليس المؤمن بطَعَّان ولا لَعَّان ولا فاحش ولا بذيء.

أيها المسلمون :

لقد تعهّد الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم – صلّى الله عليه وسلّم – بالرعاية والتربية؛ ليكون الأسوة الحسنة للبشرية جمعاء في كافة المجالات، وما زالت شخصيته وسيرته – عليه الصلاة والسلام- تحظى بالدراسات المُستفيضة في كافة الجوانب من المسلمين وغيرهم، وما قول المفكر البريطاني "برنارد شو " عنا ببعيد، عندما قال : (إنّ مشاكل العالم اليوم بحاجة إلى رجلٍ مثل محمد يَحُلّها وهو يشرب فنجاناً من القهوة)، ولذلك فإننا نجزم بأنّ اتِّباَعَه
– صلّى الله عليه وسلّم- سبيل نجاة الأمة وَرُقيّها ، كما قال – عليه الصلاة والسلام – : (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا َمَسَكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ).

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله ....

الخطبة الثانية :

أيها المسلمون :

لقد درج بعض الحاقدين على التّشكيك في نبيّ الإسلام ، والطعن في رسالته – صلّى الله عليه وسلّم-، لأنهم يريدون الإساءة للرسالة الإسلامية ، والنّيْل من صاحبها – عليه الصلاة والسلام – كما قال سبحانه وتعالى : {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *  هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

إنّ عاقبة المُستهزئين الذين يتطاولون على سيّدنا وحبيبنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم – وَخِيمة في الدنيا والآخرة، فهناك من شُلَّت يده جزاء له على تكبّره وتعاليه على توجيهات النبي – صلّى الله عليه وسلّم –، وهناك من مَزَّق خطاب النبي –صلّى الله عليه وسلّم- فمَزَّق الله مُلْكه، فالكون كلّه ينتصر لحبيبنا ورسولنا محمد –صلّى الله عليه وسلّم-، فالأطفال انتصروا لرسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- في غزوة بدر فقتلوا أبا جهل، والأسد انتصر لرسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- فقتل عُتبة بن أبي لهب، وهناك مَنْ لفظته الأرض لأنه سبَّ واستهزأ بالرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام -، فكأنها تقول له : لا مكانَ في بطني لمن استهزأ بك يا رسول الله، فهل مِنْ مُعتبر أيها البشر ؟! .

إنّ قائمة المُتطاولين على رسولنا الكريم  - صلّى الله عليه وسلّم- قديماً وحديثاً طويلة، مليئة بالمُجرمين المُستهزئين ، ولكنْ يجب علينا أن نعلم بأنّ المصير المحتوم ينتظر كلّ طاعن ومُستهزئ،  فالكون كلّه سينتصرُ لحبيبنا ورسولنا محمد- صلّى الله عليه وسلّم -، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، وهذا ما جرى لرسّام الكاريكاتير السويدي لارش فيلكس، الذي اشتهر برسومه المُسيئة للنبي محمد- صلّى الله عليه وسلّم -، حيث لقي حتفه بحادث سير مُرَوّع بالسويد، تفحّمت فيه جُثّته بالإضافة إلى ضابطي شرطة مُكَلَّفين بحراسته، وكان فيلكس لا يتحرك إلا وسط حراسة أمنية مُشَدَّدة خوفاً على حياته.

أيها المسلمون :

ونحن نتفيّأُ ظلال هذه الذكرى الطيبة فإنّ الواجب على المسلمين جميعاً أنْ يكونوا أُمّة واحدة قوية متماسكة؛ حتى لا يكونوا لقمة سائغة للآخرين ، فالواجب علينا أنْ نستجيب لدعوته– صلّى الله عليه وسلّم - وألاّ نتفرّق وألاّ نتشرذم،  وألاّ يحمل أحدُنا حقداً على أخيه، ومن المعلوم أنَّ شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية أحوج ما يكونون إلى الوحدة والمحبة  ورصّ الصفوف وجمع الشمل وتوحيد الكلمة، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة التي تمرّ بها المدينة المقدسة وقلبها المسجد الأقصى المبارك بصفة خاصة ، وقضيتنا الفلسطينية والمنطقة العربية والإسلامية بصفة عامة.

أيها المسلمون :

إِنّ الأوضاع الحالية التي يمرّ بها المسجد الأقصى المبارك وصلت إلى مراحل خطيرة، من خلال تكثيف اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى؛ تمهيداً لتنفيذ مُخططاتهم الإجرامية بالتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك، حيث اقتحم المئات من المستوطنين خلال الأيام الماضية  المسجد الأقصى المبارك ، وقاموا برفع العلم الإسرائيلي وأداء الطقوس التّلمودية والنّفخ بالبوق داخل المسجد ونظموا جولات استفزازية في باحاته تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تسعى لفرض سيطرتها عليه ،وتثبيت واقع جديد داخل المسجد الأقصى المبارك، كما أنّ مدينة القدس تتعرّض يوميًّا لمجزرة إسرائيلية تستهدف الإنسان والتاريخ والحضارة، حيث إِنَّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستخدم كلّ أدواتها وأساليبها لتزوير الواقع وتغيير الحقائق المُتمثلة في أنّ مدينة القدس مدينة محتلة، وإنّ ما يحدث في هذه الأيام من جرائم في حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية وغيرها ليس عنّا ببعيد !. 

إننا نُشيد بصمود أهالي المدينة المقدسة وتمسّكهم الدائم بالدفاع عن أقصاهم وَمُقدساتهم، وتصدّيهم المُستمر لمُخططات الاحتلال الإسرائيلي الإجرامية، وَنُشَدّد  في الوقت ذاته على أهمية وجود دعم وإسناد عربي وإسلامي للمقدسيين والمرابطين على كافة المستويات؛ كي يبقوا مُدافعين عن الأقصى والقدس والمقدسات، كما نُطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألاّ يتركوا المسجد الأقصى وحيداً، فالواجب عليهم  أن يعملوا جاهدين على المُحافظة على المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة، وفضح الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية على شعبنا الفلسطيني والأقصى والمقدسات. 

الدعاء...