2021-11-29

الصــلاة على النبي – صلّى الله عليه وسلّم -


2021-10-22

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(1).

 جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير هذه الآية : [ قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وقال ابن عباس: يصلون يبــرِّكون، وقال سفيان الثوري: صلاة الرّبّ الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والمقصود من هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يُثْنى عليه عند الملائكة المُقربين, وأن الملائكة تُصلّي عليه, ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه, ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: "العلوي" و"السفلي" جميعاً، قال ابن عباس: إن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يُصلي ربك ؟ فناداه ربه عزَّ وجلَّ: يا موسى سألوك هل يُصَلّي ربّك, فقل: نعم ، أنا أُصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي, فأنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه - صلّى الله عليه وسلّم- :{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}](2).

إن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالصلاة والسلام على رسولنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم - كما جاء في الآية السابقة،  فهذا تشريف وتكريم وتعظيم للنبي - صلّى الله عليه وسلّم -  بالصلاة والسلام عليه، ومن المعلوم أنَّ الإكثار من الصلاة والسلام عليه - صلّى الله عليه وسلّم - قُربة من أعظم القُربات، كما أنه علامة على محبة العبد للنبي - صلّى الله عليه وسلّم -.

البخِيلُ من ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فلمْ يُصَلِّ عَلَيَّ

لقد حثَّ نبينا – صلّى الله عليه وسلّم– على وجوب الصّلاة والسّلام عليه –صلّى الله عليه وسلّم-كلما ذُكِر، حيث وردت أحاديث شريفة تُؤكد ذلك منها :قوله – صلّى الله عليه وسلّم - : (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)(3)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم - : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً)(4)،وقوله – صلّى الله عليه وسلّم - أيضاً: ( الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ)(5) ، فمن الجفاء أن يسمع المسلم ذكر رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – ثم يبخل بالصلاة عليه- صلّى الله عليه وسلّم-.  

ونحن  في هذه الأيام المباركة ما زلنا نتفيَّأ ذكرى ميلاد الرحمة المُهداة، والنّعمة المُسداة، والسّراج المنير سيدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم - .

صيغ الصلاة على رسول الله   

لقد وردت عدةُ صيغٍ في كيفية الصّلاة والسّلام على سيدنا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – منها: ما رُوي عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، قال: ( لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقالَ: أَلا أُهْدِي لكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-؟ فَقُلتُ: بَلَى فَأَهْدِهَا لِي، فَقالَ: سَأَلْنَا رَسولَ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ الصَّلاةُ علَيْكُم أَهْلَ البَيْتِ، فإنَّ اللَّهَ قدْ عَلَّمَنَا كيفَ نُسَلِّمُ علَيْكُم، قالَ: قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (6).

فضل الصلاة على رسول الله 

لقد وردت عدة أحاديث تُبيّن فضل الصّلاة والسّلام على سيدنا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – منها:

* كفايةُ الهُموم ومغفرةُ الذنوب: كما رُوي عن أُبَيِّ بن كعب – رضي الله عنه – قال : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ , فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، جَاءَ الْمَوْتُ بمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بمَا فِيهِ " ، قَالَ أُبَيٌّ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي ؟ فَقَالَ : " مَا شِئْتَ " ، قَالَ : قُلْتُ : الرُّبْعَ؟ قَالَ: " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " , قُلْتُ : النِّصْفَ ؟ قَالَ : " مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " , قَالَ : قُلْتُ : فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ : "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " , قُلْتُ : أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا, قَالَ : " إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ ")(7) .

*رفعٌ للدرجات وحطٌّ للسيِّئات:  كما رُوي عن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- : (مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً وَاحِدَةً؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ ‏) (8).

* صلاة بصلوات: كما رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا) (9).

إِنَّ الصلاة على رسولنا - صلّى الله عليه وسلّم – سببٌ لمغفرة الذنوب، وسبب لإزالة الهموم، وسبب لرفع الدرجات، وسبب لتفريج الكُرُبات، ورفع الضّيق عن المسلم، فعلينا أن نُكثر من الصّلاة والسّلام على رسولنا محمد - صلّى الله عليه وسلّم -.

      إنّ الواجب علينا أن نسيرَ على الهَدْي القرآني ، وأن نتّبع التوجيه النّبوي،  فما زال حديثك يا سيدي يا رسول الله يتردّد على مسامعنا (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا َمَسَكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ"(10).

مواطن الصلاة على رسول الله 

لقد وردت عدة أحاديث شريفة تُبيِّن مواطن الصلاة على سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم – منها:

* بعد الأذان : كما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أنه سَمِعَ النَّبِيَّ – صلّى الله عليه وسلّم – يقول: (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ ‏)(11) .

*عند دخول المسجد والخروج منه: كما رُوي عَن فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الكُبْرَى قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ") ( 12) .

* في الخُطَب :كخطبة الجمعة والعيدين  وغيرهما، كما رُوي عن عون بن أبي جحيفة، قال: (كَانَ أَبِي مِنْ شُرَطِ عَلِيٍّ ، وَكَانَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ ، فَحَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، يَعْنِي عَلِيًّا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَالثَّانِي عُمَرُ ، وَقَالَ : يَجْعَلُ اللَّهُ الْخَيْرَ حَيْثُ أَحَبَّ .)(13).

* في آخر التشهد: عن فضالة بن عُبَيد -رضي الله عنه- قال: (سمِعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلاً يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ -، فقال النبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: عَجِلَ هذا، ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ : إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ،ثُمَّ لِيُصَلِّ على النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ) (14).

*يوم الجمعة وليلتها: كما رُوي عن أوس بن أوس – رضي الله عنه- قال :  قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- : ( إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلام ، وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ -أَيْ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ- قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلام  ")(15) .

* عند الدعاء : كما رُوي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه – قال : (كنتُ أُصلِّي والنَّبيُّ
 - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأبو بَكْرٍ ،  وعمرُ معَهُ ، فلمَّا جَلستُ بدأتُ بالثَّناءِ على اللَّهِ،  ثمَّ الصَّلاةِ  علَى  النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، ثمَّ دَعوتُ لنَفسي ، فقالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: سَل تُعطَهْ ، سَل تُعطَ) (16)، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله.

نسأل الله أن نشرب من حوضك الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً،

 وأن تشفع لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون ... اللهم آمين...يارب العالمين .   

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

  1. سورة الأحزاب الآية (56)
  2. مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 3/110
  3. أخرجه مسلم      
  4. أخرجه الترمذي
  5. أخرجه أحمد والترمذي
  6.  أخرجه الشيخان        
  7. أخرجه الترمذي   
  8. أخرجه النسائي   
  9. أخرجه مسلم      
  10. أخرجه مالك في الموطأ       
  11. أخرجه مسلم      
  12. أخرجه الترمذي   
  13. أخرجه أحمد      
  14. أخرجه الترمذي   
  15. أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه
  16. أخرجه الترمذي