2021-11-29

التاجر الصدوق الأمين ... مع النَّبيين والصدِّيقين


2021-11-05

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أخرج الإمام الترمذي في سُننه عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-، عن النبي – صلّى الله عليه وسلّم – قال : ( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ،  مَعَ النَّبِيِِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداء ) (1 ).

هذا حديث أخرجه الإمام الترمذي في سُننه في كتاب البيوع عن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -، باب ما جاء في التُّجار وتسمية النبي – صلّى الله عليه وسلّم – إيَّاهُم.

إنَّ الرزق الطيّب الحلال هو ما اكتسبه الإنسان عن طريق عمل مشروع وحِرْفة لا ريبة فيها ولا شُبهة، فديننا الإسلامي الحنيف حرّم الزنا وأحلّ الزواج، وحرّم الربا وأحلّ التجارة، فالتجارة عمل شريف وطيّب إِن التزم صاحبها الطريق المستقيم، كما جاء في الحديث السابق وفي أحاديث أخرى، منها: قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: ( تِسْعَةُ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ )(2)،  

 وهناك صفات عديدة ينبغي أن يتَّصف بها التاجر، ومنها:

- الصدق والأمانة: كما جاء في الحديث عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا،  وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)( 3).

 - السماحة في البيع والشراء: كما جاء في الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:(رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)(4).

-  العدل والإنصاف ومساعدة المُعْسِر: كما جاء في الحديث عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-  عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) ( 5).

 وهناك صفات أخرى، منها: حُسْنُ الخُلُق، وعدم الاحتكار والاستغلال والغش.

فما أحرى تُجَّارنا في هذه الأيام أن يتّصفوا بهذه الصفات الكريمة ويتحلّوا بالأخلاق الحميدة!.

التاجر ... والرزق الحلال

من المعلوم أنّ طلب الحلال من الرزق واجب، وابتغاء المال الطيِّب ضرورة لاستقامة الحياة الاجتماعية واستقرارها، فقد أباح الإسلام للتاجر أن يربح، ولم يجعل للربح حدًّا، بشرط أن يبتعد التاجر  عن الاحتكار والاستغلال والغِشِّ ؛ لذلك فقد حذّر ديننا الإسلامي الحنيف من أكل أموال الناس بالباطل، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(6)، وقول رسوله –صلّى الله عليه وسلّم– في حَجّة الوداع: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ ، هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) (7)، وقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  أيضًا: ( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) (8).

الله يُبــارك لمن يشـــاء

أخي التاجر: عليك بالحلال وابتعد عن الحرام،  فالدنيا بعدها آخرة وهناك الحساب: " ...عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكتسبه ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ"، فتدبّرْ أمرك، وإليك بعض الأحاديث الشريفة التي تُبَيِّن ذلك، منها :  قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: ( لاَ يَحْتَكِرُ إلاَّ خَاطِئٌ)(9 )، وقوله- صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً: ( بِئْسَ الْعَبْدُ الْمُحْتَكِرُ إنْ سَمِعَ بِرُخْصٍ سَاءَهُ ، وَإِنْ سَمِعَ بِغَلاءٍ فَرِحَ)(10)، فاجعل  قدوتك الرسول – صلّى الله عليه وسلّم-، وصحابته الكرام – رضي الله عنهم أجمعين- الذين ملأوا طِبَاق الأرض عدلاً، ومنهم: الصحابي عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- الذي كان مثالاً للتاجر الصادق الأمين الواثق بربِّه، (فقد آخى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – بينه وبين الصحابي سعد بن الربيع – رضي الله عنه- من الأنصار، فقال سعد لعبد الرحمن – رضي الله عنهما-: "أخي: أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، فانظر شَطْرَ مالي فَخُذه، وتَحْتي امرأتان فانظُر أَيَّتهما أعجَب إليكَ حتى أُطلّقها لكَ، حتى إذا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا"، فقال له عبد الرحمن – رضي الله عنه- : "بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلّوني على السوق"، وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح  حتى أصبح من كبار التُّجار في عصره، فلما سُئِل –رضي الله عنه - عن سِرِّ ذلك، قال: لمْ أَبِعْ معيباً، ولم أُرِدْ ربحاً كثيراً، والله يُبارك لمن يشاء، حتى إنه قال: "لو رفعتُ حجراً لوجدتُ تحته مالاً")(11)،  فهذا مثال للتاجر الصادق الأمين المقتنع بالربح الحلال القليل.

 مَن غشنـا فليـس مِنـّـا

إنَّ الأموال التي تأتي عن طريق الاحتكار والاستغلال والغِشّ وغيره ما هي إلاّ جذوة من نار، تَتَأَجَّجُ في بُطون آكليها، ومن المعلوم أنّ الغِشَّ لا يدوم، فلا بُدَّ أن يُكشف الغاشُّ يوماً مَا ويُفضح بين الناس، ومن أنواع الغشّ: الغشّ في البيع والشراء، حيث يأتي بعض التجّار  بالبضاعة الفاسدة ويقومون ببيعها  في الأسواق على أنها بضاعة جيدة، وهذا تدليسٌ وكذبٌ ، فرسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – حرَّم الغِشّ بجميع أشكاله، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-: ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟! قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،  قَالَ: أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ،  مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى ) (12).

ومن المُؤسف أنّنا نجد بعض الناس يغشُّون في بضائعهم ، وفي صناعتهم ، وفي تجارتهم ؟!، ونسي هؤلاء أنّ المال الحرام سيكون زادهم إلى النار والعياذ بالله، كما جاء في الحديث عن رِفَاعَة –رضي الله عنه- (أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ)(13).

سيدنـا عمر .... وبائعــة الحليب

ذكرت كُتُب السّيرة والتاريخ أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان ذات ليلة يتفقّد الرّعيّة، فسمع امرأة تقول لابنتها: قومي يا بُنَيَّة إلى الحليب وامزجيه بالماء استعداداً لبيعه في الصباح،  فأجابتها الفتاة: إنّ أمير المؤمنين أرسل منادياً يُنادي ألاّ نغشّ الحليب، فقالت لها أمُّها: إنّ أمير المؤمنين نائم لا يُبصرنا، فأجابت ابنتها المؤمنة: إِنْ كان أمير المؤمنين بعيداً عنا؛ فربُّ أمير المؤمنين ليس عنَّا ببعيد، وَلَئِن نَجَوْنَا من عذاب الدنيا فلن ننجو من عذاب الآخرة.

لقد أُعجب أمير المؤمنين بإيمان هذه الفتاة وإخلاصها ، وزوّجها لابنه عاصم، ثم أصبحت هذه الفتاة جدّة للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه- المُلقب بالخليفة الراشد الخامس منْ جهة أمّه، هذا حال سلفنا الصالح، فأين نحن يا مسلمون مِنْ هؤلاء؟.

دعوة إلى التعاون والتكافل

أخي القارئ: إِنّ من الواجب على المسلمين أن يتعاونوا على سَدّ حاجة المحتاجين ويتكاتفوا لقضاء حوائج الفقراء والمساكين، إذا مَا حلَّ بالمجتمع غلاءٌ أو حاجة، فقد أثنى رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- على الأشعريّين الذين كانوا في وقت الحاجة يتضامنون فيما بينهم ، يتضامن صاحب السّعة مع المُحتاج، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ )(14) . 

وهذه دعوة إلى التجّار وأهل الخير في المجتمع بضرورة التعاون والتكافل مع إخوانهم من الفقراء والمساكين، وأن يحرصوا على قضاء حوائجهم والإحسان إليهم؛ كي يبارك الله عزَّ وجلَّ لهم في أموالهم وأهليهم ويفوزوا برضى الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا الحلال، وأن يُجَنّبنا الحرام، وأن يجعلنا من المؤمنين الصادقين.

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

1- أخرجه الترمذي                   

2- أخرجه السيوطي في الجامع الصغير         

3- أخرجه البخاري

4- أخرجه البخاري                   

5- أخرجه البخاري                   

6- سورة النساء، الآية(29)  

7- أخرجه البخاري                   

8- أخرجه مسلم            

9- أخرجه مسلم   

10-  ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد

11- انظر: صُوَر من حياة الصحابة للدكتور الباشا ص 258-259

12- أخرجه مسلم          

13- أخرجه الترمذي        

14- أخرجه البخاري