فضيلة الشيخ / عبد الكريم الكحلوت في ذمة الله
التاريخ: 2014-02-28

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم : (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ )(1).

ويقول أيضاً: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي)(2).

إيماناً منا بقضاء الله  وقدره ، فإننا ننعى إلى شعبنا الفلسطيني المرابط ، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، العالم الجليل ، والفقيه الكبير ، والمفتي القدير، المغفور له بإذن الله فضيلة الأستاذ الشيخ / عبد الكريم خليل الكحلوت رحمه الله، مفتي قطاع غزة، وعضو مجلس الإفتاء الأعلى بفلسطين سابقاً ، والذي انتقل إلى رحمته تعالى مساء يوم الاثنين الماضي ، عن عمر يناهز تسعة وسبعين عاماً.

وإننا إذ نتقدم من أسرته الكريمة وذويه الأعزاء ، وزملائه الأجلاء ، وطلابه الأوفياء ، بأحر التعازي ، وبأصدق آيات المواساة ، لنتضرع إلى الله العلي القدير  أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل .

فبرغم الحُزن الذي غشى القلوب ، وبرغم الدمع الذي انهمر من العيون ، فلا نصفُ ما اعترانا برحيل شيخنا الجليل بسوى ما أمرنا به رسولنا – صلى الله عليه وسلم - : "إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا شيخنا لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يرضى ربنا سبحانه وتعالى !!".

لقد كان فضيلة الشيخ عبد الكريم – رحمه الله – عالماً جليلاً ، وفقيهاً كبيراً ، ومفتياً قديراً ، ومصلحاً عظيماً، وأستاذاً فاضلاً.

سيرة.... ومسيرة

ولد فضيلة الشيخ عبد الكريم الكحلوت في قرية نعليا في 15 ديسمبر 1935م ، وهاجر مع أسرته إلى غزة عام 1948م ، وأنهى علومه الشرعية في المعاهد الأزهرية بجمهورية مصر العربية عام 1960م ، وحصل على ليسانس الشريعة والقانون من جامعة الأزهر عام1966م.

عُيِّن – رحمه الله- عام 1971م مدرساً بالمعهد الديني- الأزهر بغزة ، كما واختير – رحمه الله – موجهاً للمواد الشرعية واللغوية، وكان أميناً للجنة الفتوى بالمعهد ، كما واختير عضواً  في لجنة اختيار المدرسين ، وفي عام 1978م عُيِّن مدرساً بالجامعة الإسلامية بغزة حتى عام 1996م ، واختيراً مقرراً للجنة المناهج في الكلية الشرعية بالجامعة ، كما عمل في عام 1994م مدرساً بجامعة الأزهر بغزة ، وفي عام 1994م عُيِّن  - رحمه الله – مفتياً  لمحافظة غزة ، وعضواً في مجلس الفتوى الأعلى بفلسطين ، كما عمل محاضراً في كلية الدعوة الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف، وعمل إماماً وخطيباً وواعظاً ، واختير عضواً في لجنة تعيين أئمة المساجد والوعاظ والخطباء بالوزارة ، وفي عام 2005م عُيِّن عميداً للمعاهد الأزهرية بفلسطين .

لقد تخرج على يدي شيخنا – رحمه الله – المئات من الطلبة والطالبات في مختلف التخصصات ، كما وأصدر خلال هذه الفترة العديد من النشرات والمقالات والكتيبات والكتب في المواضيع الدينية المختلفة ومنها :  ( الحج والعمرة ، الصيام، البلاغة، تفسير سورة الحجرات ، تفسير سورة الكهف ).

الشيخ الداعية

للشيخ – رحمه الله – دور بارز في الدعوة إلى الله ونصرة دينه بالقول والعمل، فقد كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم، مصداقاً لقوله تعالى : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (3)، حيث تشير الآية الكريمة إلى شرف وقدسية ما يحمله الداعي إلى الله .

لقد كان فقيدنا – رحمه الله – خطيباً بارعاً وواعظاً حكيماً ، يتنقل بين المساجد يُعلّم الناس الخير، ويرشدهم إلى الفضيلة ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر منذ أكثر من خمسين عاماً ، حيث كان – رحمه الله – يحث على الوحدة ورصّ الصفوف  وجمع الشمل، ومما يدل على أهمية الوحدة في حياة الأمة ما ذكره الشيخ / محمد الغزالي في كتابه خلق المسلم، أن المصلين اختلفوا في صلاة التراويح هل هي ثماني ركعات أم عشرون ركعة؟ فقال بعضهم: بأنها ثماني ركعات، وقال آخرون: بأنها عشرون ركعة ، وتعصب كل فريق لرأيه ، وكادت أن تحدث فتنة ، ثم اتفق الجميع على أن يستفتوا عالماً في هذه القضية ، فسألوا عن رأيه في الأمر ، فنظر الشيخ بذكائه فعرف ما في نفوسهم ، وهو أن كل طرف يريد كلمة منه ، فقال الشيخ مستعيناً بفقهه: الرأي أن يُغْلَق المسجد بعد صلاة العشاء (الفريضة ) فلا تُصَلّى فيه تراويح البته، قالوا: ولماذا أيها الشيخ؟! قال: لأن صلاة التراويح نافلة ( سنة) ووحدة المسلمين فريضة ، فلا بارك الله في سُنّة هدمت فريضة ، نعم إن ديننا الإسلامي يحثنا على الوحدة خصوصاً في هذه الأوقات العصيبة من حياة شعبنا المرابط .

الشيخ المفتي

عمل شيخنا – رحمه الله – مفتياً لمحافظة غزة وعضواً في مجلس الإفتاء الأعلى بعد عودة السلطة الوطنية الفلسطينية ، ومن المعلوم أن الإفتاء أمر مهم في شريعتنا الإسلامية الغراء، كيف لا؟! وسيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – هو المفتي الأول الذي اقتدى بهديه العلماء والأئمة الكرام.

فكان – رحمه الله – يفتي الناس في أمور دينهم ودنياهم، وكان الناس يقصدونه في استفساراتهم، لما عُرف عنه – رحمه الله – من علم، وتواضع ، وحكمة وخبرة ، وكان كما قال الشاعر :

عَلَمٌ من أعلامِ الدينِ               حُجّته في الدين المنطق

لم يُفتِ بأمرٍ إطلاقاً                ما لم يتحرَّ ويستوثق

الشيخ المصلح

لقد كان فقيدنا – رحمه الله – مصلحاً كبيراً ، حيث كان يسعى بين الناس بالخير ، وجمع الشمل ، وإصلاح ذات البين بالكلمة الطيبة ، والأسوة الحسنة ، وفضل الإصلاح عظيم في شريعتنا الغراء ، حيث يقول – صلى الله عليه وسلم - : ( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ " , قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : " إصَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ , قَالَ , فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ)(4).

ومن الجدير بالذكر أن شيخنا- رحمه الله- كان مرجعاً لأهل فلسطين في قضايا الإصلاح بين الناس، برأيه السديد، وعلمه الغزير، وخبرته الكبيرة ، وحكمته المعهودة .

فقد كان الشيخ – رحمه الله- على رأس لجان الإصلاح ، لإلقاء كلمة الشرع والدين ، في ترغيب الناس بالاحتكام لشرع الله ، والتحلي بالصبر والثبات ، وكذلك بالعفو والصفح الجميل، فقد جاء في رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إلى أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- في القضاء ( إن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلّ حراماً ، أو حَرّم حلالاً ).

الشيخ ... وأعمال البر والخير

ديننا الإسلامي يحث على عمل الخير حتى آخر لحظة من حياة الإنسان، كما جاء في الحديث الشريف: (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمْ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسْلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا) (5).

ومن المعلوم أن فقيدنا – رحمه الله – كان من محبي الخير ، والدالين عليه ، حيث كان – رحمه الله – يقدم المساعدات للأسر الفقيرة والمحتاجة ، وكذلك إلى أسر الشهداء والأسرى ، كما وكان يكفل طلاب العلم الشرعي ، ويرعى الأيتام ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى) ، فأي منزلة أعظم من هذه المنزلة؟ ، وما زلنا نردد ذلك الحديث الشريف الذي يبين بأن الله عز وجل قد غفر لرجل خَطّاء كثير الذنوب ، لأنه سقى كلباً  وجده يأكل الثرى من العطش ، فما بالك بمن يسقي ظمآناً ، أو يطعم جائعاً ، أو يكسو عرياناً ، أو يمسح رأس يتيم ، أو يدخل السرور على قلوب الثكالى والمحزونين ؟

من ذلك يتبين فضل الله سبحانه وتعالى وعظيم ثوابه للمؤمن، الذي أسدى جميلاً لمؤمن ، أو ساعد محتاجاً ، أو عاون إنساناً فقيراً .

هذه بعض النقاط التي وفقني الله لذكرها من مناقب فقيدنا الكبير الغالي – رحمه الله –  ، اعترافاً منا بعلمه وعمله وفضله ، وعملاً بالحديث  : (اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ)(6).

نسأل الله أن يكرم نزله، وأن يعوضنا عنه وعن أمثاله من العلماء العاملين خير العوض

اللهم لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1-سورة البقرة الآية (155-157)

2- سورة الفجر الآية (27-30)             

3- سورة فصلت الآية (33)

4- أخرجه أبو داود                                 

5- أخرجه مسلم                        

6- أخرجه الترمذي

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1248