فضلُ الْمُحَرَّمِ... وعاشــوراء
التاريخ: 2018-09-14

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين أما بعد :

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ) (1) .

هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الصيام، باب فضل صوم شهر الْمُحَرَّم.

تدور الأيام وتمضي الشهور وتتقلب الأعوام وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، ولكن عندما يأتي شهر الله المحرم يتذكر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها حادثة الهجرة التي غيَّرت مجرى التاريخ، لأنها كانت بمثابة النور الذي هدم أركان الظلام ورسم على الدنيا صورة مضيئة مشرقة الوجه بَسَّامَة المُحَيَّا، ومن المعلوم أن لكل أمة من الأمم أمجادها وتاريخها العريق الذي تَشْرُفُ به وتعتز ، ومن أعظم هذه الأمجاد وأعلاها قدراً حادثة الهجرة النوبية الشريفة التي كانت درساً عملياً للعالم أجمع في كل زمان ومكان، لِمَا ترتب عليها من آثار طيبة ونتائج عظيمة، ورحم الله القائل:

إذا قامت الدنيا تَعُدُّ مفاخراً          فتاريخُنا الوضاءُ من الهجرة ابتدا

ومن المعلوم أنه في مستهل كل عام هجري تطالعنا ذكرى هجرة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، فتشرق في نفوس الملايين المسلمة شمس الإيمان من جديد وتتراءى لهم صور الكفاح الأغرّ في سبيل الحق والعقيدة، وكلَّ خير أصابه المسلمون، وكلَّ رشاد ظفرت به البشرية منذ هاجرت رسالة التوحيد إلى يثرب إنما كانت ثمرة طيبة من ثمار هذه الهجرة المباركة، فبعد أن كان المسلمون يعيشون في المجتمع المكي تحت صور شتى من الإرهاب والتعذيب صار له وطن ودولة وكيان.

هذا الكفاح الذي أفضى إلى أن يهاجر النبي –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام –رضي الله عنهم أجمعين-، من مكة التي أوغل أهلها في العتوّ والاستكبار والمكر السئ، إلى المدينة المنورة حيث الإيمان والأمان، وحيث القلوب متفتحة لاستيعاب الدعوة الإسلامية وحمايتها.

إن قصة الهجرة هي قصة الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب، والعقيدة التي امتزجت بدم المسلم ولحمه، والدين الذي سيطر على النفوس وغمر المشاعر، حتى غدا المسلمون الأولون يفتدون دينهم بأعزّ ما يملكون.

الثقة بالله سبحانه وتعالى

لقد كانت هجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام حيث إنها تبقى وَضَّاءةً في قلوب المسلمين لا تَمَلّ الأسماع حديثها ، فهي تُمثل بكل جوانبها عظمة الرسول  – صلى الله عليه وسلم –، وقوة يقين صحابته الكرام – رضي الله عنهم أجمعين-  الذين حملوا أمانة الدعوة فكانوا أعزة أقوياء، فلم يَنَلْ منهم ما نَزَل بهم من أَذَىً من صناديد قريش، وظلت نفوسهم مرتبطة بالله سبحانه وتعالى ، فلقد سبقت الهجرة مواقف عديدة تَحَمَّل الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام – رضي الله عنهم أجمعين - فيها عَنَتَ قريش وضراوتها، وكان – عليه الصلاة والسلام- يتطلع إلى السماء وأخذ يناجي ربه راجياً عفوه ورحمته، حيث كان – صلى الله عليه وسلم – في القمة العليا من الإيمان، يستمدّ أصحابه ذلك منه وهو يبشرهم بنصر الله سبحانه وتعالى ، وقد حَقَّق الله دعوة نبيه وصدق أمل رسوله- صلى الله عليه وسلم –، فكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية التي جعلت للمسلمين داراً وأخوة في يثرب ( المدينة ) التي علَّمت الدنيا كلها كيف يكون الحب والإيثار، تجمعهم عقيدة التوحيد والإيمان بالله ورسوله- صلى الله عليه وسلم -.

وهناك أيضا: ثقة الحبيب –صلى الله عليه وسلم- بالله عزّ وجل، التي كانت أعظم وأجل، كما في قوله تعالى: ( إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (2) .

فحري بنا ونحن نصوم ما يَسَّرَ الله لنا في هذا الشهر المبارك أن نستشعر هذه المعية، وأن نستشعر فضل الله سبحانه وتعالى ونصره، وأن العاقبة للمتقين، أما الظالم والطاغية والذي يتعدى حدود الله فسيلقى جزاءه من الله عزَّ وجل.

وهكذا كانت الهجرة النبوية نصرًا مؤزراً للإسلام، وفتحًا مبينًا على المسلمين، وتحولاً كبيرًا في سير الدعوة الإسلامية، وانتقالها من طور الضعف إلى طور القوة والعزة.

صيام عاشوراء

 إننا  نعيش  في هذه الأيام في ظلال شهر كريم هو شهر المحرم، وهذا الشهر فيه خير كثير، وفيه أيام مباركة، ومن السنة صيام بعض أيامه، فقد ورد أن رسولنا –صلى الله عليه وسلم- قال: " أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ"(3)، ورحم الله القائل:

شهرُ الحرامِ مباركٌ ميمون         والصومُ فيه مضاعفٌ مسنون

وليس شهرٌ من الشهور يُسمى شهر الله إلا هذا الشهر الكريم، شهر المحرّم، وهو من أشهر الله الحُرُم، وهذه النسبة نسبة تكريم وتشريف كبيت الله الحرام.

وفي هذا الشهر الكريم يوم عظيم من أيام الله، وهو أعظم أيام هذا الشهر، ألا وهو يوم عاشوراء، فعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: ( كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُهُ في الجاهلية، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ)(4).

فعلينا أن نُكثر فيه من الصوم، فإن ضعفنا عن ذلك، فلا يفوتنا صيام يوم عاشوراء (يوم العاشر منه)، فإن فضله عظيم، فقد كان نبينا –صلى الله عليه وسلم- يتحرى صيامه، ومما يدل على فضل صيامه ما رُوي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : (مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ ) (5)  .

وكان –صلى الله عليه وسلم- يحثّ عليه ويأمر به، فعن أبي قتادة الأنصاري – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال : (...وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (6).

وأما سبب صومه، فقد ورد في الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا  يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:(مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ) (7).

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: (حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، قَالَ:( فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ  وَسَلَّم-( (8).

هذه أيام مباركة يجب أن نستفيد منها أيها الأخوة الكرام، فإن لربكم في أيام دهركم نفحات أَلاَ فتعرضوا لها، فإن الشقيّ من حُرم رحمة الله عز وجل .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

 الهوامش :

1- أخرجه مسلم                       

2- سورة التوبة الآية (40)         

3- أخرجه مسلم                       

4- أخرجه البخاري      

5- أخرجه البخاري      

6- أخرجه مسلم

7- أخرجه مسلم                         

8- أخرجه مسلم

 

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1752