الإســـلام ... وحقـــوق الإنســان
التاريخ: 2018-12-07

   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد :

توافق اليوم الاثنين ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان ، هذه الذكرى التي تأتي في العاشر من شهر ديسمبر في كل عام ، حيث صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر سنة1948م، وذلك في وثيقة دولية رسمية، ويُعَد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في10/12/1948م تتويجاً للحضارة الإنسانية وجهود المفكرين والمصلحين في العصر الحديث ، حيث صدر الميثاق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، ونحن في كل مناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المؤمن على بَيِّنة من أمره .

إن الشريعة الإسلامية الغرَّاء تحتفظ دائماً بكونها أسبق وأعمق وأشمل من أية قوانين  وضعية ، حيث قرَّرت للإنسان حقوقه منذ خمسة عشر قرناً، وحثّت على صوْنِ هذه الحقوق وحفظها وإحاطتها بالرعاية وشمولها بالعناية، فحقوق الإنسان  من الموضوعات الجوهرية في الشريعة الإسلامية.

المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان في الإسلام

من المعلوم أن  حقوق الإنسان في الإسلام ترتكز على أربعة مبادئ عامة ، وهي : تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان، وحرية الإنسان، والمساواة بين الناس ، وإقامة العدل ومنع الظلم .

* مبدأ تكريم الإنسان : لقد قامت مبادئ الإسلام وتعاليمه وَقِيَمُهُ كلُّها على احترام الكرامة الإنسانية وصَوْنها وحفظها وعلى تعميق الشعور الإنساني بهذه الكرامة، انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (1)، فالكرامة الإنسانية حق مَصُون للجميع دون استثناء .

ومن المعلوم أن الإسلام  يُكَرّم الإنسان تكريماً عظيماً، ومن مظاهر هذا التكريم أنه صَانَ ذاته من أي عدوان عليها ، وحرّم كل ظلم يقع عليه أو على عرضه أو ماله أو حريته أو كرامته، حيث حذَّر رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام-من الاعتداء على الإنسان، كما جاء في قوله– صلى الله عليه وسلم-: (...فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا،  فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا )( 2)، وقوله -عليه الصلاة والسلام -: (‏لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم)( 3)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: (‏لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ‏‏لأَكَبَّهُم ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ)(4 ).                           

  إن هذا يدل على مدى التكريم والتشريف الذي حظي به الإنسان في ديننا الإسلامي الحنيف .

ومن الأمور المؤسفة في هذه الأيام أن كرامة الإنسان قدْ ديست، وأن الاعتداء على حياته أصبح سهلاً و هَيِّناً، وهذا كله يخالف تعاليم الإسلام التي تنص على وجوب المحافظة على حرمة الإنسان،  فنسمع عن حوادث القتل بين أبناء الشعب الواحد ، حيث يُقتل الرجال وَيُيَتَّم الأطفال، وتُرَمَّل النساء، وتُخَرّب البيوت، وتُصاب الأمة بحالة من الذعر، فلا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

* مبدأ الحُرِّيَّة: تُعَدُّ الحُرِّيَّة في ديننا الإسلامي الحنيف قيمة أساسية كبرى ؛ لارتباطها بطبيعة الإنسان وفطرته ، ولتأثيرها في تكوين شخصيته، كما أن مبدأ الحرية حق من الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان حيث إنه لا يملك أحدٌ أن يَمَسَّها أو يُصادرها دون وجه حقٍّ، ولا يجوز لأحدٍ مهما كان أن يستعبد الناس ويسخرهم لأغراضه ويسلبهم حريتهم التي كفلها لهم ديننا الإسلامي الحنيف، ومن المعلوم أن الإسلام قد جاء لإنقاذ البشرية من العبوديَّة والضَّلال والضَّياع والتَّخَبُّط الذي كانت تعيش فيه، كما جاء في قول الصحابي الجليل ربعيّ بن عامر – رضي الله عنه-:( إن الله قد ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل وسماحة الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ).

 وما قصة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - مع عمرو بن العاص- رضي الله عنه-  وابنه الذي ضرب القبطي المصري ظُلماً عنا ببعيد، حيث قال عمر- رضي الله عنه- كلمته المشهورة التي تُسَجَّل بمدادٍ من نور:  متى استعبدتم الناس يا عمرو ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!.

ويتبين من ذلك أن مبدأ الحرية يُعَدُّ من أهم مبادئ حقوق الإنسان في الإسلام .

* مبدأ المساواة: من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف يعتبر الناس كلَّهم أمة واحدة ويساوي بينهم جميعاً، لأن رسالته موجهة إليهم كما في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (5)،  فقد قرَّر الإسلام مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صُوَرِهِ، وَطَبَّقَهُ في جميع مناحي الحياة ، فالمساواة في الإسلام تعنى المماثلة في الحقوق والواجبات بين الناس جميعاً.

لقد ضرب رسولنا – صلى الله عليه وسلم – أروع الأمثلة في تطبيق مبدأ المساواة دون تفريق بين قوي وضعيف، وكبير وصغير، وشريف ووضيع، فالكل أمام الشرع سواء، وما قصة  المرأة المخزومية الشريفة في قومها والتي أُخِذَتْ بجريمة السرقة عنا ببعيد، فعندما جاء أسامة بن زيد–رضي الله عنهما- يشفع لها، تَلَوَّنَ وجهُه– صلى الله عليه وسلم-، ثم قال لأسامة:(أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ...فإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)( 6 ).     

فكانت كلمات رسولنا -صلى الله عليه وسلم- نوراً يهدي من بعده، حيث أكدت على المساواة بين الجميع وأن أحكام الشريعة الإسلامية تُطَبّق على الجميع دون تمييز بين إنسان وآخر.

* مبدأ العدل: إن فضيلة العدل من الصفات الكريمة التي دعا إليها الإسلام ، فديننا الإسلامي يدعو إلى التزام العدل في شتى الأقوال والأفعال والسلوك، فالعدل هو وظيفة الرسل الكرام –عليهم الصلاة والسلام-، كما أنه غاية الرسالات السماوية كلها، كما جاء في قوله تعالى:   {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(7) ، وإذا شاع العدل في أمة وأصبح كلّ فرد فيها من حُرّاسه، سعدت في حياتها وتقدمت غيرها.

ومن الجدير بالذكر أن البشرية كانت قبل بزوغ فجر الإسلام  في ظلمات بعضها فوق بعض،  يفتك القوى بالضعيف، ويأكل القادر حقوق العاجز،ومع ذلك عرف العرب في جاهليتهم حلف الفضول .. (8)، أن ينصروا المظلوم ويقفوا معه حتى يأخذ حقه من الظالم، ذلك الحلف الذي قال عنه رسولنا –صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ)(9).

 وجاءت رسالة الإسلام، رسالة العدل ، كما في قوله –صلى الله عليه وسلم - : ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) (10) .

ويتبيَّن من ذلك كله أن ديننا الإسلامي الحنيف يدعو إلى إقامة العدل المطلق ، الذي لا يعرف التفرقة ولا المحاباة بين الناس جميعاً .

إن ديننا الإسلامي الحنيف منذ أشرقت شمسه وعم نوره الكون قد أرسى دعائم حقوق الإنسان ، ومن المعلوم أن تقرير الإسلام لحقوق الإنسان يتفوق على جميع القوانين الوضعية ، حيث إن الإسلام هو أول من قرر مبادئ حقوق الإنسان في أكمل صورة وفي أوسع نطاق، كما أن حقوق الإنسان في الإسلام تُستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية ، حيث إنها جزء أساسي من العقيدة الإسلامية والشريعة الغراء، كما أنها تشمل كل البشر جميعاً لأنه لا يوجد في الإسلام تمييز بين جنس وآخر، فالشريعة الإسلامية الغرَّاء كفلت للإنسان حقوقه وأحاطته بالعناية والرعاية في جميع مراحل حياته.

هذا هو ديننا الإسلامي الحنيف دين الحق والخير ، يحافظ على الإنسان ويحفظ له حقوقه ، ويحقق له السعادة والرخاء في الدنيا والآخرة .

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- سورة الإسراء الآية  (70)  

2- أخرجه البخاري                                  

3- أخرجه الترمذي          

 4- أخرجه الترمذي         

 5-  سورة الحجرات الآية (13)              

6 - أخرجه البخاري         

7- سورة الحديد الآية (25)                    

8- السيرة النبوية لابن هشام 1/133   

9-  أخرجه مسلم

10- أخرجه مسلم 

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1770