شهر شعبان... شهر الفضائل والخيرات
التاريخ: 2020-04-03

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وَسَارَ على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أخرج الإمام النسائي في سننه عن أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ:  (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ؛ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ؛ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) (1).

هذا الحديث أخرجه الإمام النسائي في سننه،  في كتاب الصيام، باب صوم النبي "صلى الله عليه وسلم" -بأبي هو وأمي- وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك .

من المعلوم أنَّ لشهر شعبان منزلة عظيمة، حيث يُكْثر المسلمون فيه من الصيام، ويبتعدون عن الشهوات والملذات، فهم يتشبهون بالملأ الأعلى في طهارتهم وتفرغهم لعبادة الله عز وجل؛ لذلك خصَّه رسولنا – صلى الله عليه وسلم – بكثرة الصيام فيه، ولن نفوز بفضل هذا الشهر الكريم إلا إذا عملنا ما كان يعمله – صلى الله عليه وسلم -  من صيام يُزكّي النفسَ وَيُصَفّى القلبَ وَيُقَرّب العبد من ربه؛ ليشكره على جليل نعمه، ولنستعد لاستقبال شهر الصيام والقيام، والخيرات والبركات، والتسابيح والتراويح.

نفحة بعد نفحة

إنّ لربنا في دهرنا نفحات ، تُذكرنا كلّما نسينا ، وَتُنبهنا كلّما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات، يتزود منها المسلمون بما يُعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(2).

إن نفحات الخير تأتينا نفحة بعد نفحة ، فإذا ما انتهينا من أداء الصلوات المفروضة ، تأتي النوافل المتعددة المذكورة في كُتب الفقه ، وإذا أدينا الزكاة المفروضة فإن أبواب الصدقات مفتوحة طيلة العام، وإذا أدينا فريضة الحج فإن أداء العمرة مُيَسّرٌ طيلة العام، وإذا أدينا فريضة الصيام فإن صيام النوافل موجود طيلة العام، وهكذا الخير لا ينقطع وهذا فضل من الله ونعمة .

وفي شهر شعبان ليلة مباركة، هي ليلة النصف من شعبان، وقد ورد في فضلها الكثير من الآثار ، ففي هذه الليلة يُستجاب الدعاء، وَتَعُمّ المغفرة، وتهبط الملائكة على أهل الأرض بالرحمة، ولله فيها عتقاء كثيرون من النار، كما جاء في الحديث أن رسول الله  – صلى الله عليه وسلم - قال: (إنَّ اللهَ لَيطَّلِعُ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِهِ، إلا لِمُشْركٍ أو مُشاحِنٍ)(3).

لذلك يجب علينا أن نواظب على الطاعات في كل وقت ، وأن نحرص على التزود بالتقوى ،  فنحن مخلوقون لعبادته وطاعته سبحانه و تعالى، امتثالاً لقوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }(4) .

ليلة العفو والمغفرة والتوبة والدعاء

إن ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة جليلة يتجلّى الله سبحانه وتعالى فيها على عباده بالرحمة والمغفرة، ففيها تَعُمّ المغفرة، وتهبط الملائكة على أهل الأرض بالرحمة، وتُفتح أبواب السماء، وَيُستجاب الدعاء، ولله فيها عتقاء كثيرون من النار، حيث ينظر الله سبحانه وتعالى إلى عباده، فيغفر للمستغفرين، ويتجاوز عن سيئات التائبين، ويجيب دعوة الصادقين المخلصين، ولا يُحْرَم من عفو الله ورحمته إلا الذين هم على الخطايا مُصِرُّون.

ونحن في هذه الأيام التي لا يزال الوباء العالمي الفَتَّاك (كورونا) ينتشر في الآفاق حتى عمَّ العالم، أحوج ما نكون فيها إلى العودة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نلجأ إليه عزَّ وجلَّ كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ)(5)، فما نزلَ بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، ونسأله سبحانه وتعالى في هذه الليالي المباركة أن يكشف عنَّا وعن شعبنا وأمتنا والعالم أجمع الوباء والبلاء، وأن يُعاملنا بما هو أهله، ولا يُعاملنا بما نحن أهله، اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا يا رب العالمين، كما يجب علينا أن نتراحم ونتكاتف ونكون كالجسد الواحد، وما نراه في هذه الأيام من تكافل اجتماعي في جميع محافظات الوطن لهو أمرٌ عظيم يدلّ على أصالة شعبنا الفلسطيني المرابط.

شهر شعبان ...شهر الذكريات الخالدة

لقد أظلنا شهر شعبان، وأَهَلَّ ببركاته ونفحاته ، تمهيدًا وتوطئة لشهر رمضان المبارك، فشهر شعبان حافلٌ بالذكريات الإسلامية العظيمة، فهو الشهر الذي انتصرَ فيه الرسول – صلى الله عليه وسلم – في غزوة بني المصطلق، وفيه تزوج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حفصة بنت عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما-، كما فرض الله فيه صيام شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة .

 * و من الأحداث المهمة التي سجَّلها القرآن الكريم في هذا الشهر المبارك : حادثة تحويل القبلة من المسجد الأقصى بالقدس  إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة،  بعد أن ظلَّ المسلمون يستقبلون بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً بعد الهجرة، وكان رسول الله– صلى الله عليه وسلم – يُحِبّ أن يُحَوّل نحو الكعبة، فنزلت:  {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}(6)، فَصُرف إلى الكعبة.

ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد ربط  بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى  في الآية الأولى من سورة الإسراء : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (7)، وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين ولا يُفَرّط في أحدهما، فإنه إذا فرَّط في أحدهما أوشك أن يُفَرِّط في الآخر، وتتجلّى العلاقة المتينة بين المسجدين في أمورٍ عديدة، منها :

*من حيث البناء :  فقد جاء في الحديث عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: "قلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَيُّ مَسْجد وُضعَ في الأرْضِ أوَّل؟ قَالَ: "اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ"، قَالَ: قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "اَلْمَسجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيه"(8).

* من حيث استقبال القبلة :  لقد كان المسجد الأقصى المبارك القبلة الأولى للمسلمين منذ فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، حتى أَذِنَ الله- سبحانه وتعالى- بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، كما جاء في الحديث الشريف: عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-  قال: "صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ "(9).

*من حيث شدّ الرحال :  فقد  جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:  "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى "(10).

* من حيث مضاعفة ثواب الصلاة : فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الصَّلاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ، وَالصَّلاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلاةٍ، وَالصَّلاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاةٍ"(11).

*من حيث عدم دخول الدَّجال فيهما :  فقد جاء في الحديث الشريف "عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَمِيرًا عَلَيْنَا فِي الْبَحْرِ سِتََّ سِنِينَ، فَخَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- وَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، وَلا تُحَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنَ النَّاسِ، قَالُوا: قَالَ: فَشَدَّدُوا عَليْهِ، فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ– صلى الله عليه وسلم –، فَقَالَ: أُنْذِرُكُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، أُنْذِرُكُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَهُوَ رَجُلٌ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، "قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُهُ قَالَ: الْيُسْرَى"، يَمْكُثُ فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، مَعَهُ جِبَالُ خُبْزٍ وَأَنْهَارُ مَاءٍ، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كُلَّ مَنْهَلٍ، لا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ ، فَذَكَرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَالْمَسْجِدَ الأَقْصَى، وَالطُّورَ، وَالْمَدِينَةَ، غَيْرَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْوَرَ، لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْوَرَ،" قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَظُنُّ فِي حَدِيثِهِ " يُسَلََّطُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْبَشَرِ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، وَلا يُسَلََّطُ عَلَى غَيْرِهِ"(12).

اللهم بلّغنا رمضان

أخرج الإمام البيهقي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: ( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ) (13 ).

 من المعلوم أنّ نبينا – صلى الله عليه وسلم – كان يدعو بهذا الدعاء؛ لمعرفته اليقينية بما في شهر رمضان المبارك من نفحات الخير ،  لذلك يتوجب على المسلمين الاستعداد لشهر رمضان المبارك الذي جعله الله سيد الشهور ، وأفاض فيه الخير والنور، فهو من أوفرها خيراً ، وأكثرها بركة، وأعمِّها نفعاً ورحمة للعالمين، فهو شهر كريم وموسم عظيم، فما أحوجنا لاستقباله بقلب سليم وعهد جديد .

هذا فضل شهر شعبان الذي يغفل الكثير من المسلمين عن فضله ومكانته، لذلك يجب علينا أن نغتنم هذه الأيام المباركة بالإكثار من الطاعات واجتناب المنهيات والمحرمات.

اللهم بارك لنا في شعبان، وبلّغنا رمضان، واحفظ شعبنا ومقدساتنا وأمتنا من كل سوء

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:

1- أخرجه النسائي

2-سورة البقرة، الآية (197)

3- أخرجه ابن ماجه                              

4-سورة الذاريات الآيات( 56-58)

5-سورة الأنعام الآية (43)

6- سورة البقرة الآية (144)

7- سورة الإسراء الآية (1)                     

8-  أخرجه البخاري       

9- أخرجه مسلم                

10- أخرجه البخاري     

11- ذكره السيوطي في الجامع الصغير

12- أخرجه أحمد

13- أخرجه البيهقي

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1908