مِنَح الرحمن في شهر رمضـان
التاريخ: 2020-05-01

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وَسَارَ على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : (قال اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ،  لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ)(1 ).    

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، في كتاب الصوم ، باب هل يقول: إني صائمٌ إذا شُتِمَ.

يتفيأ المسلمون في هذه الأيام ظلال  شهر رمضان المبارك، شهر التسابيح والتراويح، شهر الصيام والقيام، حيث يُطِلّ علينا بخيراته وبركاته ، فقد افترض الله علينا صيام نهاره، وَسَنَّ لنا النبي – صلى الله عليه وسلم- قيام ليله، وحَثَّنا على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة فيه؛ ابتغاء مرضاة الله عز وجل ورغبة في جنته والنجاة من ناره، لذلك يجب على المسلمين اغتنام حلول هذا الضيف الكريم، وأَنْ يُشَمِّرُوا عن ساعد الجدّ، وَيُوَطِّدوا العزم على صيام أيامه وقيام لياليه.

مِنَحٌ رمضانية

 من المعلوم أن بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أعانه الله عليه، نتزود من مَعِينه الفيّاض، وروحانيته السامية، ودروسه القَيِّمة، وعطائه المتجدد، بزادٍ من الإيمان واليقين والإخلاص، حيث تُفَتّح أبواب الجنة، وتُغَلّق أبواب النار، كما جاء في الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)(2)، ومن الجدير بالذكر أن للصائمين باباً من أبواب الجنة كما جاء في الحديث الشريف، عَنْ سَهْلٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ) ( 3). 

اللهم إنّي صائم

إن شهر رمضان فيه تربية للنفس والروح ، حيث يبتعد الصائم عن كلّ ما يُفْسد الصيام من لَغْوٍ وَرَفَثٍ وشتمٍ، كما جاء في الحديث الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ ، فَلْتَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ ) (4).

 الصيام والقرآن يشفعان للعبد

  من المعلوم أن شهر رمضان شهر الذكر والقرآن، كما جاء في الحديث الشريف: عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيه،ِ قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ) ( 5 ).

 رسولنا – صلى الله عليه وسلم – أجود الناس بالخير 

شهر رمضان المبارك شهر الجود والكرم والإنفاق،  ورسولنا – صلى الله عليه وسلم – عاش في مجتمع مُحِبٍّ للجودِ والكرم ، فقد كان – عليه الصلاة والسلام- أجود الناس وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، كما جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: (كَانَ النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ بالخيرِ،وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حينَ يلقاهُ جبريل)(6)، وقد حَثَّ  نبينا – صلى الله عليه وسلم – المسلمين على الجود والكرم في هذا الشهر العظيم، لما جاء في الحديث الشريف عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا )(7) .

ما نَقَصَ مالٌ مَنْ صَدَقة

 من الجدير بالذكر أنَّ الصدقات ليست- كَمَا يظنّ البعض- سبباً في قِلّة المال، ولاتُنْقِصه، كما جاء في الحديث(ما نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقة)(8)، إنّما هي سَبَبٌ في وجود خَلَفٍ لها بعد خروجها، ، كما جاء في الحديث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا،  وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا )(9 ).

ومن أشكال الصدقات والبرِّ خصوصاً في مثل هذه الأيام المباركة مساعدة الأُسر المحتاجة  بتوفير الطعام والغذاء لهم من خلال السّلّة الغذائية، وشراء الملابس لهم من خلال مشروع كسوة العيد، ومساعدة الضعفاء والفقراء واليتامى والثّكالى والأرامل برسم البسمة على شفاههم، وإدخال السرور على القلوب البائسة بما أفاء الله عليك من النّعم، فإنَّ منع الزّكاة سببٌ مباشر لغضب الله، فقد جاء في الحديث: (وَلَمْ يَمْنَعُوا زكاةَ أموالهِمِ إلا مُنِعُوا القطرَ من السماءِ، ولولا البهائِمُ لَمْ يُمْطَروا)(10).

دعـوة لأهلِ الخير في شهرِ الخير

 إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع قوي بتماسك أفراده وتعاونهم على البرّ والتقوى، فالغنيّ يعطف على الفقير والقويّ يُساعد الضعيف فهم كالجسد الواحد، ونحن في هذه الأيام المباركة نغتنمُ حلول شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة، لِنُذَكِّر أنفسنا وأحباءنا من أهل الخير والعطاء بضرورة تقديم يدِ العون والمساعدة لإخوانهم المحتاجين ، من خلال إقامة المشاريع الإنتاجية للشباب والرجال والنساء، لتحويل الأسر الفقيرة من أُسَرٍ محتاجة إلى أُسَرٍ مُنتجة ، تطبيقاً لقول رسولنا – صلى الله عليه وسلم - : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (11).

فأين نحن يا إخوتي من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  إذا لم نَقُمْ بمساعدة الفقراء والمحتاجين والثّكالى واليتامى والمساكين؟ فَمَنْ سَيُحِيط هؤلاء بالعطف والحنان والشفقة والإحسان؟ وَمَنْ لأولئك الأيتام الذين فَقَدُوا أهليهم؟ ، لذلك يجب أن تتكاتف جميع  الأيدي الرحيمة للإحاطة بكل هذه الشرائح المحتاجة، كي يُعَوِّضوهم عَمَّا فقدوه من حنان أهلهم وذويهم.

فهذا نداءٌ نُوجهه إلى الأيدي الخَيِّرة والقلوب الرحيمة والأنفس المعطاءة والمُوسرين من أبناء الأمة؛ ليبادروا بمساعدة إخوةٍ لهم كي يعيشوا حياة كريمة{ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(12) .

تعالوا أيها الأخوة الكرام لنعلنها صريحة مدوية :

تعالوا لِنَرْسمَ البسمة على الشفاه المحرومة.

تعالوا لِنُدْخِلَ السرور على القلوب الحزينة.

تعالوا لِنَمْسحَ رأس يتيم.

تعالوا لِنُدْخِلَ السرور على قلب طفل حزين.

تعالوا لِنُرَتِّلَ سوياً قول الله تعالى : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (13)  .

أملي أن نستجيب...   فما زال حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  يتكرر على مسامعنا : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا   )(14).

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه البخاري         

2- أخرجه مسلم  

3- أخرجه البخاري         

4- أخرجه ابن خزيمة

5- أخرجه أحمد  

6-أخرجه البخاري

7- أخرجه الترمذي

8-  أخرجه أحمد           

9-  أخرجه البخاري

10-  أخرجه ابن ماجه

11- أخرجه مسلم          

12- سورة الأعراف الآية (56)

13- سورة المائدة الآية (2)

14- أخرجه الشيخان        

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1914