مع عشـرِ ذي الحجـــة
التاريخ: 2020-07-24

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وَسَارَ على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

 أخرج الإمام الترمذي في سننه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :  (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ- رسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  : وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بشَيْءٍ)(1 ) .

 إننا نعيش في ظلال أيام مباركة من عشر ذي الحجة، نتفيأ  فيها ظلال يوم عرفة وعيد الأضحى المبارك، فيوم عرفة الذي يأتي في التاسع من شهر ذي الحجة هو أفضل الأيام ، حيث يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد في أشرف بقاع الأرض وأقدسها، يُهَلِّلون ويُكَبِّرون ويرفعون أصواتهم بالتلبية والدعاء، وتمتلئ قلوبهم بالأمن والإيمان والرجاء ، ويهتفون بنداء واحد متصاعد إلى عنان السماء: "لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك".

فضل الأيام العشر من ذي الحجة

لقد بَيَّن القرآن الكريم فضل الأيام العشر من شهر ذي الحجة في آيات عديدة، منها:    

* قوله سبحانه وتعالى : { وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ  } (2).

-  قال الإمام القرطبي في تفسيره: " إن الليالي العشر التي أقسم الله بها هي: العشر الأوائل من شهر ذي الحجة)(3).

- وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله - : "والليالي العشر : المراد بها عشر ذي الحجة ، كما قاله: ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السَّلَف والخلف"(4).

-وقال الإمام الشوكاني – رحمه الله - : ({وَلَيَالٍ عَشْرٍ }، أي ليالي عشر من ذي الحجة)(5).

* وقوله سبحانه وتعالى أيضا: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} (6).

 قال الحافظ ابن كثير في تفسير  الآية السابقة : (عن  ابن عباس- رضي الله عنهما- :  الأيام المعلومات أيام العشر )(7).

كما بينت السنة النبوية فضل الأيام العشر من شهر ذي الحجة في عدد من الأحاديث، منها:    

* عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله– صلى الله عليه وسلم - :  (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ- رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  : وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بشَيْءٍ)( 8) .

* عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : ( قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ) (9).

أفضل الأعمال في هذه الأيام

إذا عرف المسلم فضل عشر ذي الحجة ، وشرف العمل الصالح فيها، فحريٌّ به أن يُجَاهد نفسه لاغتنام أيامها ولياليها بالعمل الصالح وتنويع الطاعات والقُربات فيها ، ومن هذه الأعمال الصالحة:   

* التكبير والتهليل والتحميد : من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه سبحانه وتعالى في هذه الأيام العشر  الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير  الآية السابقة : (عن  ابن عباس- رضي الله عنهما- :  الأيام المعلومات أيام العشر )، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : (قال رسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– : مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ،  وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ).

*  الصيـام:إن صيام هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجة مُسْتحبّ، كما جاء في الحديث الشريف : (كَانَ رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ  شَهْرٍ : أَوَّلَ اثْنَين مِن الشَّهرِ، وَالخَمِيسَ ) (10) .

* الإكثار من الأعمال الصالحة :عليك  أخي المسلم أن تحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة  في هذه الأيام المباركة، ومن الأعمال المشروعة في هذه الأيام الاستعدادُ للأضحية ، لما روته أُمّ سلمة عن النبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– أنه قال : " إِذَا رَأَيْتُمْ هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ "(11)، كما يجب عليك أن تتعرّض لنفحات الله سبحانه وتعالى، وأن تتقرّب إليه سبحانه وتعالى بالطاعات من صلاة وصدقة وقراءة للقرآن ، وأن تحرص على قيام الليل وأعمال البرّ والخير وصلة الأرحام، فإنها من الأعمال التي تُضَاعَف أُجُورها في هذه الأيام المباركة .

فضل يوم عرفة

يوم عرفة أفضل الأيام، فمؤتمر  عرفة يُمثل الوحدة المُقدسة التي صاغتها فريضة الحج في أسمى معانيها ،  فهناك في عرفات ينتظم عقد الحجيج ويجتمع شملهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وَبُعْدِ ديارهم، متجردين من الدنيا وزينتها كأنهم ملائكة أطهار ، فيتجلَّى عليهم الحق سبحانه وتعالى، فيسمع دعاءهم  ويجيب سؤالهم ، وَيُحَقّق آمالهم  ويغفر ذنوبهم ، ويباهي بهم ملائكته، فيقول :  (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي ، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ ، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي ، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي ، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ )(12 )،وفي يوم عرفة أتمّ الله سبحانه وتعالى نعمته على الإنسانية، فقد  جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني:  (قال الإمام أحمد :جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ، فقال : يا أمير المؤمنين، إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال : وأيّ آية ؟ قال: قوله { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي }، فقال عمر : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : عشية عرفة في يوم جمعة ) (13).

 ومن فضل يوم عرفة : أن صيامه يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، لما رُوي عن أبي قتادة – رضي الله عنه –  أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:"...صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ "(14)، وفيه أيضاً: أن  النبي – صلى الله عليه وسلم – سُئِلَ عَنْ صَوْمِ  يَوْم عَرَفَةَ، فَقَال : "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ"(15)، وهذا أجرٌ عظيم لعملٍ يسير، والفضل والمنّة لله وحده.

عيد الأضحى المبارك

عيد الأضحى المبارك يوم عظيم تفضَّل الله  سبحانه وتعالى به على الأمة الإسلامية ، وشرعه عيداً مجيداً ، يستشعر فيه المسلمون نعم الله عليهم ، ويذكرون آلاءه وإحسانه إليهم ، وحينما يستشعر المسلمون ذلك يتذكرون النّعمة الكبرى والمِنَّة العظمى ألا وهي نعمة الإسلام،  فهو يوم عظيم مبارك، يوم عيد للأمة الإسلامية ، وقد ارتبطت الأعياد في الإسلام بمواقف مشهودة وعبادات جليلة ، فهناك عيدان في السنة، هما: عيد الفطر ويرتبط بشهر رمضان المبارك، وعيد الأضحى ويرتبط بمناسك الحج المقدسة .

أخي القارئ: عليك أن تغتنم هذه الأيام والليالي المباركة، وذلك بالحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة والنوافل؛ لأنّ الأجر يُضاعف في هذه الأيام المباركة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:

1- أخرجه الترمذي                               

2- سورة الفجر الآية(1-2)                   

3- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20/39          

4- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/651-652                         

5- فتح القدير للشوكاني 5/546       

6- سورة الحج الآية(28)                      

7-تفسير القرآن العظيم لابن كثير3/291                

8- أخرجه الترمذي                               

9- أخرجه أحمد

10- أخرجه أبو داود                             

11- أخرجه مسلم                                   

12- أخرجه ابن حبان

13- مختصر تفسير ابن كثير 1/483                          

14- أخرجه مسلم                                   

15- أخرجه مسلم           

 

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1935