اللهمّ اجمعْ شَمْلَنَا وَوَحِّدْ كلمتنا
التاريخ: 2020-09-11

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

ورد في كُتب التاريخ أَنَّ رجلاً كان له اثنا عشر ولدًا، فلما حضرتْهُ الوفاةُ، استدعى أولادَه جميعًا، فاجتمعوا عنده، فطلب حِزْمَةً من العِصِيِّ، فأُحْضِرتْ، فطلب من كلِّ واحدٍ منهم أن يكسرها مجتمعةً فعَجَزَ، فأعطى كلاًّ منهم عصاً فكسرها بسهولة، فقال لهم: يا بَنِيَّ، كونوا جميعاً ولا تَتَفرَّقُوا فيسهلَ كسرُكم، ورحم الله القائل:

تَأْبَى الرِّمَاحُ إذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّراً       وإذَا افْتَرَقْنَ تكَسَّرتْ آحادا

لقد استبشر أبناء شعبنا الفلسطيني داخل الوطن وخارجه خيراً باللقاء الفلسطيني الأخير الذي عُقد قبل أيام، حيث إنه كان لقاءًا إيجابياً ويُشكِّل صفحة جديدة في تاريخ شعبنا الفلسطيني، راجين من الله العليّ القدير أن يَمُنَّ علينا بجمع شملنا، وإصلاح ذات بيننا، وتوحيد كلمتنا، إنه سميع قريب.

إنّ الشعب الفلسطيني المرابط يدعم هذا اللقاء و يتمنى له النجاح والتوفيق؛ لأنّ قوتنا في وحدتنا، وإنّ ضعفنا في فرقتنا وتخاذلنا، و شعبنا الفلسطيني  في أمسِّ الحاجة إلى الوحدة والمحبة ، خصوصاً في هذه الظروف المصيرية والمنعطفات الخطيرة التي يَمُرُّ بها شعبنا وقضيتنا ومقدساتنا، وشعبنا الفلسطيني يتمنى التطبيق العاجل لِمَا تمّ الاتفاق عليه في هذا اللقاء، وأن يلمس ذلك في واقع حياته، فالموقف الفلسطيني المُوَحّد في رفضه لصفقة القرن وقرار الضَّمّ واتفاقات التطبيع وجميع الصفقات المشبوهة يُوجب علينا أن نعمل فورًا على إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة.

إنّ القرآن الكريم يأمرنا بضرورة الاتحاد واجتماع الكلمة؛ لذلك فمن الواجب علينا نحن الفلسطينيين أنْ نتحد ونجتمع كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)، فَسِرّ  قوتنا في وحدتنا، وإنّ ضعفنا في فُرقتنا وتخاذلنا، فالوحدة فريضة شرعية وضرورة وطنية.

حبّ الفلسطينيين لوطنهم

لقد أحبَّ الفلسطينيون وطنهم وبلادهم المباركة اقتداء بنبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم– الذي علَّم الدنيا كلّها حبّ الأوطان والأماكن المباركة والوفاء لمسقط الرأس، حيث يظهر حبّه – صلى الله عليه وسلم – لوطنه مكة، وحرصه على العيش فيها لا يبرحها، لولا أنه – صلى الله عليه وسلم - أُخرج منها مضطراً مُرْغماً، وقال – عليه الصلاة والسلام-كلمته الخالدة عندما ألقى نظرة الوداع على مكة المكرمة وهو مُهَاجِرٌ منها:‏ (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)(1).

 أَجَلْ فما من الوطن بُدّ، وما للإنسان عنه من منصرف أو غنى، في ظلّه يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر، وفي حماه تتجمع أسباب الحياة، وما من ريب أن ائتلاف الناس هو الأصل، وسيادة العقل فيهم هي الغاية، ووفرة أسباب العيش هو القصد مما يسعون ويكدحون، ولكنّ الوطن هو المهد الذي يترعرع فيه ذلك كله، كالأرض هي المنبت الذي لا بُدّ منه للقوت والزرع والثمار.

إن تاريخ شعبنا الفلسطيني حافلٌ بالتضحيات الجسام التي قدّمها أبناؤه دفاعاً عن أرضه ومقدساته، منذ وعد بلفور المشئوم في2/11/1917م، وما تَبِعَه من أحداث عظيمة أظهر فيها شعبنا الفلسطيني المناضل تمسُّكه بوطنه وأرضه ومقدساته، وقدّم في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ومازال شعبنا الفلسطيني إلى يومنا هذا يُثبت في كل يوم بسالةً وقوة وتضحية وتصدِّيًا للمحتل البغيض، في دفاع منقطع النظير عن أرض فلسطين المباركة، ففلسطين لا يُمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخطَّط المحتلون، الذين يسعون لطمس طابعها العربي والإسلامي ومحوِ معالمها التاريخية والحضارية، ففي كل يوم تدفن جرافات الاحتلال الصهيوني جزءاً عزيزاً من تراثنا ، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديدٍ آخر ، وعلى صخرة تضحيات شعبنا الفلسطيني المرابط ستتحطم جميع المؤامرات وفي مقدمتها صفقة القرن وقرار الضَّم واتفاقات التطبيع وجميع الصفقات المشبوهة.

وحدة الفلسطينيين فريضة شرعية

إنّ وحدة أبناء شعبنا الفلسطيني فريضة شرعية وضرورة وطنية، فليس هناك بعد تقوى الله – عَزَّ وَجَلَّ- أنفع لنا من جمع الشمل ورصّ الصفوف، وليس هناك أشدّ ضرراً علينا من الفُرقة والاختلاف.

ومن المعلوم  أن ديننا  الإسلامي الحنيف يدعو إلى الصّلح والوحدة والتعاضد والتآلف، من خلال العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

وقد ذكر أستاذنا الشيخ / محمد الغزالي-رحمه الله- في كتابه خُلُق المسلم، أنّ المصلين اختلفوا في صلاة التراويح هل هي ثماني ركعات أم عشرون ركعة؟، فقال بعضهم: بأنها ثماني ركعات ، وقال آخرون: بأنها عشرون ركعة . وتعصَّب كلّ فريق لرأيه ، وكادت أن تحدث فتنة، ثم اتفق الجميع على أن يستفتوا عالماً في هذه القضية فسألوه عن رأيه في الأمر ، فنظر الشيخ بذكائه فعرف ما في نفوسهم ، وهو أنّ كل طرف يريد كلمة منه ، فقال الشيخ: الرأي أن يُغْلَق المسجد بعد صلاة العشاء ( الفريضة ) فلا تُصَلَّى فيه تراويح البتة، قالوا : ولماذا أيها الشيخ ؟ ! قال : لأن صلاة التراويح نافلة (سُنّة)، ووحدة المسلمين فريضة ، فلا بارك الله في سُنَّة هدمت فريضة .

وفي هذه المناسبة ، فإن شعبنا  الفلسطيني يتساءل:

 ألم يكفنا ما يفعله بنا المحتلون صباح مساء من قتل، واعتقال، وتدمير، وغير ذلك؟!

ألم يكفنا ما تتعرض له مقدساتنا  وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك من اعتداءات متكررة ؟!

ألم يقل الشاعر:  إنّ المصائب يجمعن المُصَابينا...؟!.

اللهمّ اجمع شملنا ، وَوَحِّد كلمتنا، وألّف بين قلوبنا ، يا رب العالمين

وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه الترمذي

 

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=1951