من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
التاريخ: 2008-10-31

الحمد لله ، له أسلمت ، وبه آمنت ، وعليه توكلت ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد ،،،

لقد تخرج من مدرسة النبوة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، نشروا الإسلام عقيدة وشريعة ، وحملوا لواء الدعوة الإسلامية ، فدخل الناس في دين الله أفواجا ، واستطاعوا خلال فترة وجيزة أن يهزموا أعظم إمبراطوريتين ، فكانت القادسية وفيها الانتصار على الأكاسرة ، وكانت اليرموك وفيها الانتصار على القياصرة ، وعندئذ طأطأ لهم الجميع إجلالاً واحتراماً .

هؤلاء  الرجال هم الذين بنوا النهضات ، وصنعوا الحضارات ، وكوّنوا أرقى المجتمعات ، ومن المعلوم أن الرجال كالإبل في كل مائة راحله ، والرجل صاحب الهمة يحيي أمة.

وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على  عمار المساجد من  الرجال المؤمنين بقوله : {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ *  رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} ( 1 ) ، وكذلك في قوله تعالى {... فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ( 2 ) .

وليست الرجولة ببسطة الجسم والقامة  فقط كما في قوله تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } (3 )  ، فقد  ورد في الحديث  الشريف :أنه يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة  ،كما في  قوله تعالى : { فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}  (4 ).

 إن الإسلام لا يفضل الرجال من خلال الجنس أو اللون ، أو الغني أو الفقر   لقوله – صلى الله عليه وسلم - :( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) (5) ، وإنما يفضلهم بما فضل الله به بعضهم على بعض، وهو ميزان التقوى  لقوله تعالى :{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }( 6 )   .

فبلال بن رباح ، اسم يحبه المؤمنون ، وصوت تتعشقه آذان الموحدين ،  و بلال – رضي الله عنه -من أهل الجنة ،  لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – شهد له بذلك، فقد كان – رضي الله عنه – خفيف الجسم ، ممشوق القامة ، لونه أسود ، وهذه قضية لا قيمة لها ولا وجود لها في الإسلام. 

ومن المعلوم أن  أفضل الخلق بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هم صحابته الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – الذين أثنى عليهم القرآن الكريم ،كما شهد لهم بالفضل نبينا محمد-صلى الله عليه وسلم-.

وقد بيَّن العلماء أن الصحابة  الكرام – رضوان الله عليهم  أجمعين - يتفاوتون في الفضل والمنزلة،وإن نالوا جميعاً شرف صحبة النبي – صلى الله عليه وسلم-  ،  فقد قال الإمام السفاريني–رحمه الله تعالى - : (  اعلم أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن أفضل هذه الأمة : أبو بكر الصديق ، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم عليّ أمير المؤمنين ، ثم الستة تكملة العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم النبيين  وهم  : "سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والزبير بن العوام" ، فأهل بدر ، فأهل بيعة الرضوان،فأهل أحد ، فباقي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ) (7).

وجميع الصحابة عدول ، لا يحتاجون إلى من يزكيهم ، فقد تشرفوا بلقائهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم – وشهدوا تنزل الوحي ، ونزلت في فضائلهم وبيان مكانتهم آيات عديدة من القرآن الكريم،  كما أثنى الرسول – صلى الله عليه وسلم – عليهم ، وحذر من الطعن فيهم أو إيذائهم – رضي الله عنهم أجمعين - .

ولذلك فإن بناء النفوس وتشييدها على أساس الحق ، وتزكيتها بالصلاح والطهر ، مطلب عظيم، وغاية عليا ، وهدف من أعز الأهداف ، فقد ورد أن  أمير المؤمنين عمر بن الخطاب– رضي الله عنه – وقف  في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم- يقول لبعض الصحابة : ليذكرْ لي كل منكم أعظم شيء يتمناه ، قال أحدهم : أتمنى أن يكون لي مثل أُحد ذهباً أنفقه في سبيل الله ، وقال آخر : أتمنى أن يكون لي ملءُ  المدينة خيلاً أغزو به في سبيل الله ، وقال ثالث : أتمنى أن يكون لي ألف عبد أعتقهم ابتغاء مرضاة الله ، وأخذ كلٌ منهم يذكر ما يتمنى ، وأمير المؤمنين يدير النقاش بينهم ، ثم توجهوا إليه قائلين : فماذا تتمنى أنت يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر – رضي الله عنه - : أتمنى ملءَ هذا المسجد رجالاً أمثال أبي بكر الصديق– رضي الله عنه - !!

لقد أصبت كبد الحقيقة يا أمير المؤمنين ، فلو وزن إيمان أبى بكر – رضي الله عنه – بإيمان الأمة لرجح إيمان أبي بكر على إيمان الأمة .

فأبو بكر الصديق – رضي الله عنه – :   هو أول من آمن بالرسول – صلى الله عليه وسلم – من الرجال، والثاني معه في الغار ، ومعه في الهجرة ، وهو أول العشرة الذين بشرهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالجنة ،  وهو أول من أخرج  جميع أمواله كلها في سبيل الله ، وأسلم على يديه عدد من الصحابة السابقين  ،  ويكفيه – رضي الله عنه -  شهادة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – له، حيث قال  – صلى الله عليه وسلم - : (   إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته ، وماله : أبو بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ) ( 8)، وقوله – صلى الله عليه وسلم – أيضاً  : ( إن الله بعثني إليكم ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدق ، وواساني بنفسه وماله ) ( 9 ) .

ومن المعروف في تاريخ الرجال أن الهمم الكبيرة تدوخ أصحابها ، وأن القلوب الحية تكلف الأجساد ما لا تطيق ، ولذلك قال  المتنبي :

وإذا كانت النفوس كباراً         تعبت في مرادها الأجسام

وقد ورد  في الحديث النبوي الشريف قوله  - صلى الله عليه وسلم -  : ( ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان ) ( 10 )  ، وفي هذا قال الشاعر :

والناس ألف منهمو  كواحد    وواحد كالألف إن أمرٌ عنا !

            وعندما نقرأ التاريخ نجد صفحات مشرقة تبين مكانة هؤلاء الرجال منها : عندما حاصر خالد بن الوليد – رضي الله عنه - الحيرة ، طلب من أبي بكر الصديق  – رضي الله عنه - أن يمده بمدد  ، فما أمده إلا برجل واحد ،  هو القعقاع بن عمرو- رضي الله عنه  - ، وقال :   لا يهزم جيشٌ فيه مثله .

وكذلك عندما عزم المسلمون على فتح مصر التي بشرهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بها ، فاتجه إليها عمرو بن العاص – رضي الله عنه – بجيش كبير ، ولكن عندما وصل إلى مشارف مصر رأى كثرة عدد الروم ،  فطلب عمرو بن العاص- رضي الله عنه -  مدداً  من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه -  واستجاب عمر – رضي الله عنه – لرأي عمرو – رضي الله عنه-  وكتب له : أما بعد  : فإني  قد أمددتُك بأربعة آلاف رجل  ، على كل ألفٍ ،  رجلٌ بمقام ألف ، إشارة إلى كفاءة المقاتلين ومهارتهم وصدقهم وشجاعتهم ،  وهم :  الزبير بن العوام ، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت ، ومسلمة بن مَخْلَدْ- رضي الله عنهم أجمعين -  .

 هؤلاء  هم الصحابة الكرام ، والرجال الفضلاء ، الذين يجب علينا أن نحبهم ، وأن نسير على دربهم ، وأن نقتفي أثرهم ، ومما يؤسف له أن بعض الناس يتطاولون في هذه الأيام على الصحابة الكرام ويقولون أنهم رجال ونحن رجال، نقول لهم : الحديد معدن ، والذهب معدن ، وشتان ما بين الذهب والحديد ، فعلينا أن نعرف للصحابة الكرام فضلهم ، كما قال الطحاوي _رحمه الله تعالى _ " ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ،و لا نُفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ، ونبغض من يبغضهم ، وبغير الحق يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان "، رضي الله عنهم أجمعين .

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين  

الهوامش :

 1- سورة النــور  الآية(36-37)           

2-سورة التوبة الآية  (108) 

3-سورة المنافقون الآية (4) 

4-سورة الكهف الآية (105)

5- أخرجه مسلم   

6-سورة الحجرات(13)       

7-لوائح الأنوار السنية ، للإمام السفاريني 2/67

8- أخرجه البخاري              

9- أخرجه البخاري          

10- أخرجه الطبراني في معجمه الكبير 

موقع سماحة الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة
http://www.yousefsalama.com/news.php?maa=View&id=677