2022-08-07

الإسلام ...وَذَوُو الاحتياجات الخاصة


2021-12-03

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أَبي هُرَيْرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ -حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا-  إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِنْ خَطَايَاهُ )(1).

هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب المرضى – باب  ما جاء في كفّارة المرض.

توافق اليوم الجمعة ذكرى اليوم العالمي للمُعاقين، والتي تأتي في الثالث من شهر ديسمبر من كلّ عام ، ونحن في كلّ مناسبة نُبيِّن وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بَيِّنة من أمور دينه.

لقد اعتنى ديننا الإسلامي الحنيف بالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصّة عنايةً كبيرةً ، أولئك الذين أُصيبت أجسامهم وَحَوَاسُّهم ، وأصبحوا يعيشون أوضاعاً صعبة نتيجة لذلك،  حيث بَيَّن حقوقهم، وأولاهم عناية خاصة، وفتح لهم باب الخير على مِصْرَاعيه، كما ضَمِنَ لهم حياة طيبة كريمة، فأعطاهم حقّ التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وحقّ العمل، حيث تُخَصِّصُ بعض الدول نسبة مُعَيَّنة من وظائفها لهذه الشريحة المُهِمّة، وذلك بهدف دمجهم في المجتمع كباقي المواطنين.

الإسلام ... والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة

لقد اهتمّت الشريعة الإسلامية  الغَرَّاء بالضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصّة اهتماماً عظيماً يرقى إلى أعظم درجات الاهتمام وأَسْمَاها، حيث إِنَّ النصوص الشرعية تحثُّ أبناء المجتمع الإسلامي على وجوب رعايتهم والوقوف بجانبهم ودمجهم في مُجتمعهم ؛ ليحيوا حياة كريمة، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم - : (فإنَّما تُرْزَقُونَ و تُنْصَرُونَ بضعفائِكُمْ)(2 )، وراعى الإسلام حال ذوي الاحتياجات الخاصّة ، فخفّف عنهم بعض التكاليف الشرعية، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :   {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (3) ، وقد طالب القرآن الكريم المسلمين بضرورة كفّ الأذى المعنويّ عنهم ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ...}(4)، ودعا رسولنا  – صلّى الله عليه وسلّم -  إلى ذلك، فقال : (لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ) (5 )، وكذلك ما  جاء في الحديث عن معاوية بن قرّة، عَن أَبيه، قال: صعد ابن مَسْعُود شجرة ، فجعلوا يضحكون من دِقَّةِ ساقيه، فقال النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم - : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ) (6) .

أَمْرُ المؤمنِ كلّه خير

إِنّ أبناءنا الكرام من ذوي الاحتياجات الخاصة يُشَكِّلون شريحة مُهمّة في مجتمعاتنا، فهم إخوة لنا، وما حَلَّ بهم من بلاء لا يُقَلِّل من شأنهم ولا يُنْقِصُ من قدرهم،  ومن الجدير بالذكر  أنّ الابتلاء أمرٌ حتميّ في حياة المسلم ، فقد أرشدنا نبيّنا – صلّى الله عليه وسلّم –  إلى أنّ المؤمن دائماً أمره خير، إذا أصابته سرّاء كان خيراً له ، وإنْ أصابته ضرّاء أيضاً كان خيراً له؛ لأنّ في كليهما الخير والثواب ، فهو الرابح في النهاية، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )( 7)، ورحم الله القائل:

                              قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بالبلوى وإن عَظُمَتْ        وَيَبْتَلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعمِ

ومن المعلوم أَنَّ ديننا الإسلامي الحنيف لا ينظر إلى هؤلاء على أنّهم عِبءٌ على المجتمع، فكلُّ واحدٍ من هؤلاء هو مواطن صالح يستطيع أن يخدم دينه ووطنه  كباقي أبناء المجتمع.

إِنّ الصبر  على البلاء عنوان الإيمان الصادق وبرهانه، فالإيمان نصفه شكرٌ على النّعماء، ونصفه صبرٌ على البأساء والضّراء؛  لذلك فإنّ جزاء الصَّبر عطاء من الله بغير حساب في الآخرة ، وهو في الدنيا
ضياء في الأحداث ، وثبات يُكَفّر الله به الذنوب ويفتح باب الفرج القريب، ونحن في هذه
 المناسبة نُوجّه نداء إلى أبناء الأمتين العربية والإسلامية بضرورة مُساعدة ومُساندة هذه الشريحة المُهِمّة من أبناء شعبنا؛ ليحيوا حياة كريمة طيبة.

دعاء النبي  لذوي الاحتياجات الخاصة

تتجلَّى رحمة رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – بذوي الاحتياجات الخاصة في مواضع عديدة، ومن ذلك ما شَرَعَهُ – صلّى الله عليه وسلّم- من الدعاء لهم؛ تثبيتاً لهم ، وتشجيعاً لهم على تَحَمُّلِ البلاء ، كما جاء في الحديث عن عطاء بن أبي رباح قال: قَالَ لي ابنُ عبّاس: ( أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ"، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ ،فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ،فَدَعَا لَهَا)(8).

ومن المعلوم أنّ  رسولنا الكريم- صلّى الله عليه وسلّم- قرّر الرعاية الكاملة والشاملة للضعفاء والمُبْتَلِين وذوي الاحتياجات الخاصّة، وجعلهم في سُلَّم أولويات المجتمع الإسلامي، ورغَّب في الدعاء لهم، وحرَّم السُّخْرية منهم، وَيَسَّرَ عليهم في الأحكام الشّرعية، ورفع عنهم الحرج.

علماء أفذاذ من ذوي الاحتياجات الخاصة

لقد كرَّم الإسلام جميع أبنائه بدون تمييز لجنس أو لون ، وأوجب رعاية أفراد المجتمع والإحسان إليهم ، وبيَّن أَنَّ لكلّ فرد دوره في المجتمع وفي مُقَدِّمتهم ذوي الاحتياجات الخاصّة ، فهم جزءٌ مُهمّ من مُكَوّنات المجتمع، ولهم دورٌ بارز في رفعته والنّهوض به كغيرهم من الشرائح ،  وقد يتفوّق كثيرٌ منهم  على غيرهم  في أغلب الأحيان، حيث  نبغَ عددٌ كبير منهم  فتولّوا رئاسة الجامعات والمعاهد العلميّة وأَلَّفوا المُجَلّدات خدمة لدين الله ،  فمنهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمام محمد بن عيسى الترمذيّ صاحب كتاب السُّنَن وهو من أشهر علماء الحديث وكان ضريراً ، وكذلك الإمام الأعمش شيخ المُحدّثين ، كان أعمش العينيين (ضعيف البصر)،  والإمام قالون أحد أشهر أئمة القراءات، كان رجلاً أصمَّ لا يسمع ، وعطاء بن أبي رباح الفقيه المعروف الذي كان يُنَادَى عنه في موسم الحجّ " لا يُفْتِي الناس إلاّ عطاء بن أبي رباح "، حيث حَدّث أحدُ خلفاء بني أميّة أبناءه عنه قائلاً : "يا أبنائي تعلّموا العلم فو الله ما  ذللتُ عند أحدٍ إلا  هذا"، عطاء بن أبي رباح كان رجلاً يصفه الذين ترجموا له: بأنه كان أسودَ، أفطسَ، أعرجَ، أشلَّ، وكذلك ابن الأثير صاحب جامع الأصول كان مُصاباً بمرض في ركبته ولم يستطع الأطبّاء معالجته، فقال لهم: دعوني إنّني لمّا أُصِبْتُ بهذه العاهة ألّفتُ جامع الأصول ويتكوّن من أحد عشر مجلداً ، وكذلك النهاية في غريب الحديث و يتكوّن من أربعة مجلّدات ، وقد كتب  - رحمه الله - هذه المراجع العلمية وهو مُقْعدٌ لا يستطيع القيام ، وغير هؤلاء كثير ، رحمة الله عليهم جميعاً .

ومن الجدير بالذكر أنّ عدداً من ذوي الاحتياجات الخاصة في عصرنا الحاضر قد نالوا أعلى الدرجات العلمية، وتقلَّدوا مواقع مُهمة في شتّى المجالات، وقدَّموا خدمات جليلة لمجتمعهم وأمتهم.

ومن هنا يتبيّن لنا أنَّ ذوي الاحتياجات الخاصة مواطنون صالحون لا ينقصهم الذّكاء ولا  الاجتهاد، فهم كغيرهم  خدموا المجتمع في مجالات كثيرة ، وأسهموا في نشر العلم والنور ، والدّفاع عن الرسالة الإسلامية عبر التاريخ، فهم يستحقون مِنّا كلّ الاحترام والتقدير.

مناشدة

إِنّ شعبنا الفلسطيني المُرابط يحتضن الآلاف من ذوي الاحتياجات الخاصّة  جَرَّاء الاعتداءات الإسرائيلية المُتكررة، حيث أُصيبوا بإعاقات جسديّة دائمة، هذه الشريحة الغالية بحاجة ماسّة إلى علاج دائم ومراكز للتأهيل؛ لِيَشُقُّوا طريقهم في الحياة، وَلِيُسْهِمُوا في بناء هذا الوطن العزيز، فلا بُدَّ من توفير الأعمال المناسبة لهم، فالتعاون على الخير سبيل هذه الأمة منذ أشرقت شمسُ الإسلام، وَمَنْ فرَّج عن مؤمن كُرْبة مِنْ كُرَب الدنيا فرَّج الله عنه كُرْبة مِنْ كُرَب يوم القيامة.

            وبهذه المناسبة فإننا نُوَجّه مُناشدة لِلأخوة المسؤولين في مُخْتلف مواقعهم وللمُؤسّسات العامّة والخاصّة، بضرورة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير احتياجاتهم الضرورية؛ ليحيوا حياة كريمة، كما يجب علينا أنْ نعمل سوياً على تأهيلهم وإقامة المشاريع الإنتاجيّة الخاصّة بهم، وضرورة دمجهم في المؤسّسات المختلفة.

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

  1. أخرجه البخاري    
  2. أخرجه الترمذي    
  3. سورة البقرة الآية (286)
  4. سورة الحجرات الآية (11)  
  5. أخرجه الترمذي    
  6. أخرجه الحاكم والبزار وابن وهب في الجامع
  7. أخرجه مسلم                
  8. أخرجه البخاري