2022-01-23

أضواء على حقوق الإنسان في الإسلام


2021-12-10

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

 توافق اليوم الجمعة ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والتي تأتي في العاشر من شهر ديسمبر في كلّ عام ، حيث صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 10/12/1948م في وثيقة دولية رسميّة، وَيُعَدّ الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة تتويجاً للحضارة الإنسانية وجهود المُفكرين والمُصلحين في العصر الحديث، حيث صدر الميثاق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، ونحن في كلّ مناسبة نُبَيِّن وجهة نظر الإسلام كي يكون المؤمن على بَيِّنة من أمرِ دينه.

إِنَّ الشريعة الإسلامية الغرَّاء تحتفظ دائماً بكونها أسبق وأعمق وأشمل من أَيَّة قوانين  وضعيّة ، حيث قرَّرت للإنسان حقوقه منذ خمسة عشر قرناً، وحثّت على صوْنِ هذه الحقوق وحفظها وإحاطتها بالرعاية وشمولها بالعناية، فحقوق الإنسان  من الموضوعات الجوهريّة في الشّريعة الإسلاميّة، انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(1)، فالكرامة الإنسانية حقٌّ مَصُونٌ للجميع دون استثناء.

الإسلام ... مُنطلق الحقوق والحُرّيّات

إِنَّ حقوق الإنسان في الإسلام تنبع أصلاً من العقيدة وخاصّة من عقيدة التّوحيد، ومبدأ التّوحيد القائم على شهادة أن لا إله إلا الله هو مُنطلق كلِّ الحقوق والحرّيّات؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى خلق الناس أحراراً ويُريدهم أن يكونوا أحراراً ، ويأمرهم بالمحافظة على الحقوق التي شرعها والحرص على الالتزام بها ،والإنسان في الإسلام صاحبُ مركزٍ خاصّ في الكون من حيث أصل خِلْقته :  {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (2) ،ومن حيث مكانته في الأرض ورسالته :{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} (3)، ومن حيث قُدراته وملكاته واستعداده : {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}(4)،ومن حيث مسئوليته عن عمله : {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى} (5)، وعدم مؤاخذته بجريرة غيره: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(6).

هكذا أنصف الإسلام الإنسان وكشف عن جوهره الفريد ، ومركزه في الكون ورسالته في الحياة، فحقوق الإنسان في الإسلام تنبع من التّكريم الإلهيّ للإنسان كما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وسُنّة رسوله- صلّى الله عليه وسلّم-.

الشريعة الإسلامية... وحقوق الإنسان

من المعلوم أَنَّ للشريعة الإسلامية مقاصد تتمثّل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته، فَمِنْ أوّل مقاصد الشريعة الإسلاميّة صيانة الأركان الضروريَّة للحياة البشريّة، وهي: الدّين، والنّفس، والعقل، والنّسل، والمال، وقد بيَّن الإسلام الأحكام الفقهيّة التّفصيليّة التي تُمَثِّل سِيَاجًا لصيانة هذه الضّرورات وكيفيّة حمايتها والمحافظة عليها، حيث ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "المستصفى" أنَّ حرمة الضّرورات الخمس لم تُبَحْ في مِلَّة قط، وقال بذلك أيضاً الإمام أبو إسحق الشّاطبي في كتابه "الموافقات في أصول الشّريعة"، فهذه الأمور لا بُدَّ منها لإقامة الحياة الصّالحة، فإذا فُقِدَ بعضها انهارت الحياة الإنسانيّة أو اختلَّت وفسدت.

 لقد حرص الإسلام عَبْرَ تاريخه المُشرق على مراعاة حقوق الإنسان وصيانتها، وستبقى تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وخصائص شريعتنا الغرَّاء ثابتة كالطّود الأَشَمّ، لن تهزها  عواصف هوجاء ولا رياح عاتية.

حُرمـةُ الدِّماء في الإسلام

من المعلوم أَنَّ هناك أدلّة كثيرة من الكتاب والسنة تُبَيِّن مدى اهتمام الإسلام بحياة الإنسان، فقد حذَّر الرسول الكريم –صلّى الله عليه وسلّم- من الاعتداء على حياة الإنسان، كما جاء في قوله- صلّى الله عليه وسلّم-: (‏لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم)(7 )، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً: (‏لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ‏لأَكَبَّهُمُ ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ)(8)، كما ورد عنه – صلّى الله عليه وسلّم – أنّه قال : (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)(9)، وبَيَّن القرآن الكريم الغضب الشديد الذي يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(10) ، وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لسلامة الإنسان وكرامته وعدم الاعتداء عليه وقتله ، كما جاء في قوله - عليه الصلاة والسلام- :( ‏لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْس،ِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَفارِقُ لدِينهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)(11).

ومن الأمور المُؤسفة في هذه الأيام أنّ حقوق الإنسان قدْ دِيستْ، وأنّ الاعتداء على حياته أصبح سهلاً و هيّناً، فنسمع عن حوادث القتل بين أبناء الشعب الواحد، حيث يُقتّل الرّجال ويُيَتّم الأطفال، وتُرمّل النساء، و تُخرّب البيوت، بِمَ يُجيب القاتل يوم يأخذ المقتول بتلابيبه بين يدي ربِّ العالمين؟! يقول: يا ربّ سَلْ هذا لِمَ قتلني؟ وَيَتَّم أطفالي؟ وخرَّبَ بيتي؟ وهدم سعادتي؟ وأدخل الحُزن على أهلي؟.

إِنَّ المجتمع الذي ينشده ديننا الإسلاميّ الحنيف، هو المجتمع  الذي يسوده الحبُّ الخالص والودّ والصّفاء، والتّعاون والإيثار، لا مكان فيه للأنانية والأحقاد، والتّدابر والتّناحر.

ومن الجدير بالذكر أنّ البشريّة كانت قبل بزوغ فجر الإسلام  في ظُلمات بعضها فوق بعض،  يفتك القوىّ بالضّعيف، ويأكل القادر حقوق العاجز، ومع ذلك عرف العرب في جاهليتهم حِلْف الفضول .. (12)، أن ينصروا المظلوم ويقفوا معه حتّى يأخذ حقّه من الظّالم، ذلك الحلف الذي قال عنه رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم-: ( لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ)(13).

 وجاءت رسالة الإسلام، رسالة العدل ، كما جاء في قوله –صلّى الله عليه وسلّم-: ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) (14) .

ويتبيَّن من ذلك كلِّه أَنَّ ديننا الإسلامي الحنيف يدعو إلى إقامة العدل المُطلق ، الذي لا يعرف التّفرقة ولا المُحاباة بين الناس جميعاً .

فلسطين وانتهاكات حقوق الإنسان

من المفارقات الخطيرة أنّ العصر الحديث الذي يَدَّعي أهله أنّه عصر حقوق الإنسان  بامتياز، هو عصر الانتهاكات الكبرى لكرامة الإنسان وحقّه في الحياة، فقد أُهدرت كرامته وَدِيِسَتْ حقوقه.

وفي هذه الأيام تعيش بلادنا فلسطين انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في جميع المجالات جَرَّاء الاعتداءات الإسرائيلية على محافظات الوطن كافّة، وما نتج عن ذلك من قتل وتشريد وتنكيل، وما استهداف سلطات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين وما يتعرَّض له أسرانا البواسل من ظُلم وتنكيل عنّا ببعيد، كما تتعرَّض مدينة القدس لمجزرة بشعة من قبل سلطات الاحتلال تستهدف الإنسان والمُقدّسات والتّاريخ والحضارة في ظِلّ تعتيمٍ إعلاميٍّ كبير، وما يحدث في حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية وغيرها ليس عنّا ببعيد، حتى إنَّ الأموات والمقابر لم تسلمْ من هذه الجرائم البشعة، فالاعتداءات الإسرائيلية في المدّينة المقدّسة كثيرة ومتعدّدة وطالت كلّ شيء فيها من إغلاقٍ للمؤسّسات، وملاحقةٍ للمرجعيّات الشّرعيّة والشّخصيّات الوطنيّة، ونهبٍ للأرض، وهدمٍ للبيوت، وتدميرٍ للمقابر، وفرضٍ للضّرائب، وسحبٍ للهويّات، بالإضافة إلى تزوير المناهج التّعليمية وتزييف التّاريخ، فكلّ مَعْلَمٍ عربي وإسلامي فيها يتعرّض لخطر الإبادة والتّهويد، وما يجري في المسجد الأقصى المبارك بالقدس والمسجد الإبراهيمي بالخليل يُعَدُّ استباحة مُبرمجة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف تفريغ المسجدين من المُصَلّين والمُرابطين وتجفيف الوجود الإسلاميّ فيهما، من خلال منع المُصَلّين والمُرابطين من الوصول إليهما، والعالَم–الذي يَدَّعي حرصه على حماية حقوق الإنسان- وللأسف يُغلق عينيه ويصمّ أُذنيه عمّا يجري في المسجدين المُباركين من اعتداءات.

حقوق الإنسان ... بين الأمس واليوم

من المعلوم أَنَّ ديننا الإسلامي الحنيف  يُحافظ على حقوق النّاس جميعاً بغضّ النّظر عن دينهم أو جنسهم أو لونهم، وكذلك كان المسلمون على مَرِّ التّاريخ، كما قال الشاعر :

مَلَكْنَا فكانَ العفوُ منَّا سَجِيّةً              فَلَمَّا مَلَكْتُم سَالَ بالدّمِ أَبْطـُحُ

فَحَسْبُكُم هذا التّفَرُّقُ بينَنَـا              وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَـــحُ 

تلك هي طبيعة المجتمع المسلم، فهذا ديننا وتلك تعاليمه، وهذه أمتنا وذلك ماضيها، وهذا هو العالم وحاضره الذي يعيش فيه، وما يستوي البحران هذا عذْبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجَاج.

 أما آن للبشريّة التّائهة أن تعود إلى الأصل، إلى الحقّ، إلى سفينة النّجاة التي تقودها إلى حياة كريمة سعيدة، إلى كتاب الله وسنة رسوله، فهما مصدر الخير والحقّ .

 وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

  1. سورة الإسراء الآية  (70)  
  2. سورة التين الآية (4)
  3. سورة البقرة الآية (30)  
  4. سورة البقرة الآية (31)
  5. سورة النجم الآية (39)         
  6. سورة الإسراء الآية (15)
  7. أخرجه الترمذي                 
  8. أخرجه الترمذي 
  9. أخرجه البخاري     
  10. سورة النساء الآية (93)
  11. أخرجه البخاري                 
  12. السيرة النبوية لابن هشام 1/133
  13. أخرجه مسلم                        
  14. أخرجه مسلم