2022-01-24

وقفة بين عام أفل ... وعام أقبل


2021-12-31

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أمّا بعد:

يقول الله  سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }(1).   

جاء في كتاب صفوة التّفاسير للصّابوني - رحمه الله - في تفسير  هذه الآية الكريمة: [{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه،{وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي ولتنظر كلُّ نفسٍ ما قدَّمت من الأعمال الصّالحة ليوم القيامة، قال ابن كثير: انظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليومِ مَعَادِكُمْ وعرضكم على ربِّكم، وسُمِّي يوم القيامة غداً لِقُرْب مَجِيئه{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ} والتّنكير فيه للتّفخيم والتّهويل، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} كرَّره للتّأكيد ولبيان منزلة التّقوى التي هي وصية الله تعالى للأوّلين والآخرين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ}،{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي مُطَّلع على أعمالكم فيجازيكم عليها ] (2 ).

نعيش في هذه الأيام نهاية عام ميلادي، ونستقبل عاماً ميلاديًّا جديداً ، وهكذا تمرّ الأيّام وتنصرم الشّهور والأعوام ، وهذا يدعونا إلى ضرورة أن نُحَاسِبَ أنفسنا قبل أن نُحَاسَبَ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، ومن المعلوم أن ّ السّلف الصالح –رضي الله عنهم أجمعين- كانوا يُحَاسِبُون أنفسهم، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يقول: ( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ!}(3)؛ لِذَا ينبغي علينا اغتنام الفرصة التي بين أيدينا، كما قال  رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ،  وَشَبَابَكَ قَبْلَ هرمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ)(4). 

 أنا فجرٌ جديد

إِنّ في تَعاقُب الليل والنهار واختلافِهما عبرةً وآيةً لِمَنْ أراد أن يذَّكَّر أو أراد شُكورا، لذلك علينا أنْ نُكثر من فعل الخيرات كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(5) ، وَجَديرٌ بنا ونحن نستقبل عاماً جديداً ، ونُوَدِّع عاماً قد انقضى بخيره وشرِّه ، أن ندعو الله عزَّ وجلَّ أن يجعل هذا العام خيراً من سَلَفِه ، وأن يجعل خَلَفَه خيراً منه ،  فما مِنْ يوم يبزغ فجره  ويسطع ضوؤه إلا ويناديك يا ابن آدم ، أنا يومٌ جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنم مِنّي بعمل الصّالحات فإنّي لا أعود إلى يوم القيامة، وما مِنْ ليلٍ يُرْخِي سُدُولَه وينشر سُكُونَه إلا ويناديك يا ابن آدم، أنا ليلٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني بطاعة الرّحمن وطلب المغفرة والرّضوان، فإنّي لا أعود إلى يوم القيامة .

وإذا كُنَّا قدْ نَسِينا ما فعلناه في هذا العام من حسناتٍ وسيئات ، فإنّ ربي لا يضلّ ولا ينسى: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(6) ؛ لذلك فإنّنا  مُطَالبون أن نتّقي الله في أعمارنا، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}(7)، كما يجب علينا أن نُعلن الصُّلح مع الله، وأن نُكثر من أفعال الخير، وَنَنْأَى بأنفسنا وأهلينا ومجتمعنا عن طريق الشَّرِّ، عسى أن تُدْركنا رحمة الله، {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بأَنْفُسِهِمْ }(8).

خَيرُ الخَطَّائِينَ التوَّابُونَ

فالتوبةَ التوبةَ أيها الأخ الكريم، فإنما الأعمال بالخواتيم، فَالْجَأْ إلى ربّك الرحمن الرحيم، واسْأَلْه أن يغفر لك، ويعفوَ عنك، فَمِنْ رحمة الله سبحانه وتعالى أن فتح باب الأمل والرّجاء أمام المُذنبين، ليتوب مُسِيئهم ويثوب إلى رُشْده شاردهم، كما جاء في الحديث الشريف عن النبي – صلّى الله عليه وسلّم – أنه قال: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا"(9).

إنّ يدَ الله عَزَّ وَجَلَّ مبسوطة بالعفو والمغفرة لا تنقبض في ليل ولا نهار، تَنْشُدُ مُذنباً أثقلته المعاصي يرجو الأَوْبَةَ بعد طول الغيبة ، ومُسِيئاً أسرف على نفسه يرجو  رحمة ربّه، وفاراً إلى مولاه يطلب حُسْن القبول، كما جاء في قوله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(10)، ورحم الله الإمام الشافعي :

تَعَاظَمَني ذنبي فَلَمَّا قرَنْتُه        بعفْوِك ربي كان عفوُك أَعْظَمَا

  فما أكرمه من إِلَه، وما أرحمه بخلقه وعباده، يُجَابِه النّاس ربهم بالفسوق والعصيان، ويخالفون دينه، ويأتون ما نهى عنه، حتى إذا تابوا وأنابوا، قَبِلَ الله توبتهم  وغفر سيئاتهم وأحبَّهم ورفع درجاتهم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا*إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(11).

حتى لا ننسى الآخرة

إِنّ الدنيا مزرعة الآخرة؛ لذلك يجب علينا دائماً أن نتذكّر  دار البقاء، فَعِشْ يا أخي ما شِئْتَ فإنّك مَيِّت، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فإنّك مُفَارقه، واجمعْ من المال ما شِئْتَ، وارتقِ من المناصبِ ما شِئْتَ، لكنْ إيَّاك أنْ تنسى بأنّ سَهْمَ الموتِ لك مُلاحق، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ }(12)، وفي قوله سبحانه وتعالى أيضا:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}(13)، وها هو رسولنا -صلّى الله عليه وسلّم – يُذَكّرنا بالموت قائلاً: ( إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ، كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ "، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا جِلاؤُهَا ؟ قَالَ: " كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَتِلاوَةُ الْقُرْآنِ)(14)، ورحم الله القائل:

قَـرُبَ الـرَّحيلُ إلى ديارِ الآخــــرة

فاجعـلْ إلهي خيـرَ عُمْــــري آخِـرَه

وارحمْ عِظَامي حين تبقى نَاخِـرَة

فأنا المســكـيـنُ الـــذي أيّامـُـــــــــهُ

وَلَّتْ بـأوزارٍ غـَـــــــدَتْ مُتواتِـــــــرَة

فَلَئِـنْ رحمـتَ فأنتَ أكرمُ رَاحـِــمٍ

فَبِحــــارُ جُــــودِكَ يا إلهــي زَاخِـرَة

وعند دراستنا للسُّنَّة النّبويَّة الشّريفة نلاحظ أنَّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – كان يخاف على أُمَّته مِنْ أنْ تُبْسطَ الدّنيا عليهم، كما جاء في الحديث الشّريف : ( عَن عَمْرِو بْن عَوْفٍ الأَنْصَارِيّ -وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ،  وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا،  وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ،  فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبَيْدَةَ فَوَافَقتْ صَلاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَلَمَّا صَلَّى بهم الْفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بشَيْءٍ، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )( 15). 

إنَّ الدنيا دارُ عمل، ونحن لم نُخْلَق إلا للعمل الصالح والعبادة الحَقَّة،  كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}(16)؛ لذلك رأينا رسولنا– صلّى الله عليه وسلّم-  قد اغتنم كلّ لحظة من حياته في طاعة الله والتّقرُّب إليه سبحانه وتعالى، وعلَّم أصحابه الكرام – رضي الله عنهم أجمعين- ذلك،  كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ،  وَشَبَابَكَ قَبْلَ هرمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ). 

وإننا إذْ نقفُ على أبواب عام جديد لنتضرَّع إلى الله سبحانه وتعالى أن يحفظ شعبنا وأمتنا وأسرانا وأقصانا ومقدساتنا من كلّ سوء، وأن يجمع شملنا ويُوَحِّدَ كلمتنا، وأن يصرف عن شعبنا وأمتنا والعالم أجمع هذا الوباء والبلاء، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يكون العام الجديد عام خير وبركة على شعبنا وأمتنا العربية والإسلامية، اللهم آمين ... آمين ... يا ربّ العالمين.

وصلّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

  1. سورة الحشر الآية (18)        
  2.  صفوة التفاسير للصابوني3/355            
  3. أخرجه ابن أبي شيبة في مُصنفه              
  4. أخرجه الحاكم في المستدرك
  5. سورة البقرة الآية (148)       
  6. سورة الكهف الآية (49)        
  7. سورة الأعراف، الآية (34)     
  8. سورة الرعد، الآية (11)                        
  9. أخرجه مسلم                      
  10. سورة الزمر الآية (53)
  11. سورة الفرقان الآية (68-70)
  12. سورة النساء الآية (78)
  13. سورة الرحمن الآيتان(26-27)
  14. أخرجه البيهقي                    
  15. أخرجه البخاري    
  16. سورة الذاريات، الآية (56)