2022-05-28

الإســلام....ويوم الطفل العربي


2022-01-14

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

 تمرُّ بنا  في هذه الأيام ذكرى يوم الطّفل العربيّ والتي تأتي في الخامس عشر من شهر ينايـر  في كلِّ عام ، ونحن في كلِّ مناسبة نُبيِّن وجهة نظر الإسلام كي يكون المُسلم على بَيِّنةٍ من أمور دينه، فَمِنْ نِعَمِ الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنْ يُكرمه الله عزَّ وجلَّ بالذّريّة الصّالحة، فالأبناء هِبَةٌ من الله عزّ وجلّ كما جاء في قوله سبحانه و تعالى:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}(1).

والأطفال هم شباب الغد وأمل المستقبل ، وعلى عاتقهم تقع مسئولية حماية الأُمم والشّعوب،  وكلّما ارتقينا في مفهوم الاهتمام بالطّفولة، كان ذلك اهتماماً بمستقبل الأُمَّة، وذلك بتوفير الرّعاية الصّحيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة للأطفال؛ لأنَّهم الثّروة التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، ولا يجوز إهمالها أو التّقصير فيها بأيِّ حال من الأحوال، فإِنَّهم بَعْضُ الحاضر  وكلُّ المستقبل.

عناية الإسلام بالأطفال

لقد اعتنى الإسلام بالطّفولة أشَدَّ العناية، فقد اهتمَّ بالطفولة قبل أَنْ تُوجد، حيث أرشدنا رسولنا – عليه الصَّلاة والسَّلام- إلى وجوب اختيار الزّوجة الصّالحة، فقال–صلّى الله عليه وسلّم-: (مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ) (2)، والأمُّ الصّالحة حقٌّ للابن على أبيه، كما جاء في قول عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-: مُجيبًا أحدَ الأبناء لَمَّا سأله: ما حَقُّ الولد على أبيه؟ فأجابه –رضي الله عنه- بقوله : "أَنْ ينتقي أُمَّه، ويُحْسِنَ اسْمَه، ويُعَلّمه القرآن"، وقد حثّ رسولنا – عليه الصَّلاة والسَّلام- على اختيار الزّوج الصّالح، فقال – صلّى الله عليه وسلّم- : (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)(3).

 كما اهتمّ ديننا الإسلامي الحنيف بالطّفولة بعد الولادة، حيث جاء ذلك في خُطُوات كثيرة، أهمّها: الأذان: وذلك بِأَنْ يُؤَذَّن في أُذُنه اليُمنى وتُقام الصَّلاة في أُذُنه اليُسرى حينَ الولادة مباشرة؛ كي تكون أوّل كلمات تصل إلى مسامعه هي كلمة التوحيد، و العقيقة : التي تُذبح احتفالاً بالمولود ذكراً كان أو أنثى، وتسمية المولود: وذلك باختيار  الأسماء الطَّـيّبة للأبناء، وهناك أمورٌ أخرى كَفِلَها ديننا الإسلاميّ الحنيف للطّفل، مثل: حقِّ الرّضاعة، والنّفقة والحضانة، والعدل بين الأولاد، وتربيتهم على القِيَمِ والأخلاق الفاضلة.

هذا هو ديننا الإسلاميّ الحنيف الذي يعتني بالأطفال تربيةً وتأديباً وتعليماً؛ حتّى يتحقّق إسهامهم في بناء المجتمع والنّهوض به، فهم عِماد الأمَّة وثروتها الحقيقيّة.

دور الأسرة في تربية الأطفال

إِنَّ للأسرة دوراً رئيساً في تربية الأطفال، كما جاء في الحديث عن ابن عمر – رضي الله عنهما- قال سمعتُ رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يقول :(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وََمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا،...)(4)،  فهذا الحديث الشريف يشتمل على تكليف من رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- لِكُلِّ أبٍ وأُمٍّ، فقوله – عليه الصَّلاة والسَّلام- : (كُلُّكُمْ رَاعٍ) يُحَمّلُنا مسئولية التّربية والرّعاية والإشراف والمُتابعة؛ لأنّ الأطفال ثروةٌ ينبغي أَنْ نُحافظ عليها، ونعمةٌ يجب أَنْ تُشكر، ومن المعلوم أَنّ  تربية الأطفال تشمل: التّربية الدّينيّة، والأخلاقيّة، والبدنيّة والصّحيّة، والعقليّة...الخ.

إِنََّ مُهِمّةَ تربيةِ الأطفال مُهِمّةٌ جليلة، خصوصًا في هذه الأوقات، فليس دوركم أيُّها الآباء هو توفير الأمور الماديّة فقط، بل هذا واجبٌ عليكم تجاه أطفالكم، ولكن أيُّها الآباء الكرام  عليكم واجبٌ أعظم من ذلك، وهو تحمُّل المسؤولية الكُبرى في تربية أطفالكم وتعليمهم ومتابعة دراساتهم، ومعرفة زملائهم وأصدقائهم، وغرس القِيَمِ والآداب والأخلاق الإسلاميّة في نفوسهم.

أخي القارئ الكريم : ابنك أمانةٌ في عُنُقِكَ، جعله الله سبحانه وتعالى عندك أمانة، وقد خلقه الله عزَّ وجلَّ لعبادته، وما عليك إلاّ أَنْ تَصِلَهُ بِخَالِقِهِ سبحانه وتعالى؛ لقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (5)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (6)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً : (أَدِّبُوا أَوْلادَكُمْ على ثَلاثِ خصالٍ: حُبِّ نَبِيِّكُمْ، وحُبِّ آلِ بَيْتِهِ، وتِلاوةِ القُرانِ، فإنَّ حَملةَ القُرانِ في ظِلِّ عرشِ اللهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ مَعَ أنبيائِه وأصْفيَائِهِ) (7)، فأساس التّربية في الإسلام هو القرآن الكريم الذي يحفظه الصّغار، فيهذّب أخلاقهم ويُصَفّي نفوسهم، ويتعوّدون من خلاله على مكارم الأخلاق، فمن شّبَّ على شيء شابَ عليه، وكما قال الشاعر :

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ مِنَّا             عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوْهُ

فتربية الأبناء مسئوليةٌ كُبرى وأمانةٌ عُظمى حَمَّلنا إيَّاها ديننا الإسلاميّ الحنيف .

نماذج من التربية الإسلامية للأطفال

لقد حثَّ رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم- المسلمين على وجوب التّحلّي بالأخلاق الفاضلة والصّفات الكريمة، فقال –صلّى الله عليه وسلّم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) (8)، كيف لا؟ وهو سيّد المُرسلين وإمام المُربّين، فبالتّربية السّليمة والأخلاق الفاضلة تُبنى الأمم وتُشيّد الحضارات وتتربَّى الأجيال الصّاعدة؛ لذلك فقد اهتمَّ ديننا الإسلامي الحنيف بتربية الأطفال وتنشئتهم التّنشئة الصّالحة، التي تجعل منهم رجالاً وأبطالاً، وتدفع بهم إلى المَعَالي، ونكتفي هنا بذكر نموذجين من آثار التّربية السّليمة التي حضَّّ عليها رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – :

* كان سيِّدنا عمر بن الخطاب–رضي الله عنه- عملاق الإسلام، يمشي في سِكَّةٍ من سِكَكِ المدينة، وكان في هذه السِّكَّة أطفالٌ كثيرون، فلمّا رأوه تفرّقوا هيبةً له، وبقي غلامٌ في مكانه، فلمّا وصل عمر –رضي الله عنه- إليه، تعجَّب من أدبه وَجُرْأته وثَبَاته، فقال: يا غلام، لِمَ لَمْ تهرب مَعَ مَنْ هرب؟ قال: أيّها الأمير! لستَ ظالماً فأخشى ظُلمك، ولستُ مُذنباً فأخشى عِقَابك، والطّريق يَسَعُني وَيَسَعُكَ !!.

* ودخل وفدٌ من الحجاز على عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه-، فتقدَّمهم غلامٌ لا تتجاوز سِنُّه إحدى عشرة سنة، فتضايق الخليفة من هذا الغلام الصّغير الذي يتقدَّم قومه، فقال: أيُّها الغلام، اجلسْ أنت، وَلْيَقُمْ مَنْ هو أكبر منك سِنًّا، فما كان من هذا الغلام الصّغير إلاّ أن تَبَسَّم، وقال: أصلح الله الأمير، إنَّ المرءَ بأصغريه، قلبه ولسانه، فإذا وهبَ الله العبدَ لِسَاناً لاَفِظاً وقلباً حافظاً فقد اسْتَحَقَّ الكلام، ولو أنَّ الأمرَ كما تقول، لكان في الأمَّة مَنْ هو أحقُّ منك بهذا المجلس!!.

هذان نموذجان لِفَتيين تربَّيَا على الإيمان وموائد القرآن، وهذا يدلُّ على ما وصلتْ إليه التّربية الإسلاميّة من مستوى رفيع في جميع المجالات، في التّربية الإيمانية، والخُلُقية، والاجتماعيّة، فالقرآن الكريم والسُّنَّة النّبويّة المُطَهَّرة مليئان بالمنهج التّربويّ القويم، الذي لو طَبَّقَه الآباء والمُرَبُّون لقطفوا ثِمَارَهُ يانعة، وحفظوا المجتمع من كلّ سوء، كما قال رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم-: (لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) (9).

رحمته – صلّى الله عليه وسلّم – بالأطفال

أخرج الإمام النّسائيّ في سُنَنِه  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قال : (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِحْدَى صَلاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَضَعَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا،  قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّلاةَ ؛ قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا ! حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ ؟! قَالَ :كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) (10).

لقد ضرب – صلّى الله عليه وسلّم – أروع الأمثلة في رحمته بالأطفال وشفقته عليهم، كيف لا؟! وهم ثمرة الفؤاد ومُهَجُ القلوب ، حيث كان- عليه الصَّلاة والسَّلام- أكثر النَّاس حبًّا للأطفال ورحمة بهم.

 هذا هو ديننا الإسلاميّ الحنيف الذي يهتمّ بالطّفل، وَيُوصِي به خيراً، بينما نرى اليوم ما تفعله سلطات الاحتلال الإسرائيليّ بأطفال فلسطين من قتل، واعتقال، وتشريد، وتنكيل، وتيتيم لهم، وتدمير لبيوتهم،  ونحن هنا نتساءل: متى يشعر أطفال فلسطين بالأمن والأمان والحريّة كباقي أطفال العالم؟!!

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- سورة الشورى الآيتان (49-50 )

2- أخرجه ابن ماجه                 

3- أخرجه الترمذي

4- أخرجه البخاري

5- سورة الذاريات الآية (56)   

6- أخرجه أبو داود                   

7- أخرجه الطبراني                 

8-  أخرجه أحمد                    

9-  أخرجه الترمذي                 

10- أخرجه النسائي