2022-05-28

تحيـــة إكبـــار...لأسرانا الأبطـــال


2022-01-21

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

 يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(1).

 جاء في تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير في تفسير الآية السابقة: [ ... قال ابن عباس : كان أُسرَاؤهم يومئذ مشركين ، ويشهد لهذا أَنَّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – أمر أصحابه يوم بدر أن يُكرموا الأسارى ، فكانوا يُقَدّمونهم على أنفسهم عند  الغداء، .... وقد وَصّى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – بالإحسان إلى الأَرِقَّاء في غير ما حديث، وحتى أنه كان آخر ما أَوْصَى أن جعل يقول : "الصلاة وما ملكت أيمانكم"، قال مجاهد : هو المحبوس، أي يُطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه وَيُحبونه قائلين بلسان الحال { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} أي رجاء ثواب الله ورضاه {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا }](2).

يُتابع شعبنا الفلسطيني  المُرابط باهتمام قضية الأسرى ، فهي تقع على سُلّم أولوياته، كما أنها قضية تمسّ كلّ أسرة فلسطينية، فلا تكاد أسرة واحدة تخلو من أسير، سواء كان أخاً، أو ابناً، أو أباً، أو زوجاً، أو أختاً، أو قريباً، أو صديقاً، أو جاراً، وأبناء شعبنا الفلسطيني بكافة فصائله وشرائحه يُعلنون دائماً عن تضامنهم مع أشقائهم الأسرى من خلال الوقفات الأسبوعية والفعاليات الجماهيرية، ومساندتهم ووقوفهم مع أُسَرِهِم وذويهم، وكذلك مُساندتهم للأسرى المُضربين عن الطعام،  فهذه المواقف المُشرفة من أبناء شعبنا المرابط تجاه أشقائهم الأسرى تُعطيهم أكبر قوة في الصّمود والمواجهة والثبات.

ومن المعلوم أنّ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي بلغ حتى نهاية العام الماضي نحو (4600) أسير، منهم (34) أسيرةً، ونحو (160) طفلاً، ونحو (500) معتقلٍ إداريٍّ، وعدد الأسرى المرضى نحو (600) أسير، من بينهم (4) أسرى مُصَابون بالسّرطان، و(14) أسيرًا على الأقل مُصابون بأورامٍ بدرجات مُتفاوتة، من بينهم الأسير/ فؤاد الشوبكي (81 عاما)، وهو أكبر الأسرى سِنًّا، ووصل عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى (227) شهيدًا؛ لذلك يجب علينا جميعاً الوقوف مع الأسرى الأبطال، وتقديم العون والمساندة لأُسَرِهِم وأبنائهم كي يحيوا حياة كريمة طيبة، ويجب على جميع شرائح المجتمع المشاركة في جميع الفعاليات التضامنية معهم،  كما يجب علينا أيضاً أن تتكاتف جهودنا جميعًا من أجل العمل على إطلاق سراح جميع الأسرى الأبطال من سجون الاحتلال.

أسرانا البواسل ... وجرائم سلطات الاحتلال

إِنّ سلطات الاحتلال تَحْرِمُ أسرانا البواسل من حقوقهم المشروعة، حيث تزيدُ من وَتِيرة الإجراءات التَّعَسّفية واللإنسانية بحق أسرانا البواسل، حيث إِنّ أسرانا الأبطال محرومون من أبسط حقوقهم في زيارة الأهل والأقارب، وحقّهم في العلاج، كما يتعرضون لسياسة القتل البطيء والإهمال الطبي مِمَّا أَدَّى إلى استشهاد العديد منهم داخل سجون الاحتلال، وما حدث مع الأسير البطل/ ناصر أبو حميد يُعَدُّ مِثَالاً حيًّا وواقعيًا على تلك السياسة الإجرامية بحقّ الأسرى المرضى، حيث إِنه يُعاني من مرض السرطان، كما أُصيب بالتهابٍ حادٍ في الرئتين نتيجة تلوّث جرثومي، بسبب تَأَخُّر سلطات الاحتلال الإسرائيلي إرساله للمستشفى، ورفضها إطلاق سراحه لتلقي العلاج، حيث إنه يرقد الآن في العناية المُكثفة ووضعه الصحي خطير جدًا، مُحَمِّلين سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تدهور وضعه الصحي، داعين الله العليّ القدير أن يَمُنّ عليه وعلى جميع الأسرى المرضى بالشّفاء العاجل والفرج القريب.

ونحن هنا نُشيد بانتصار الأسير البطل/ هشام أبو هوّاش في معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها ضِدّ مصلحة السجون الإسرائيلية لمدة (141) يومًا انتهت بانتصاره على السّجّان الإسرائيلي، مُؤَكِّدًا على أنّ إرادة أسرانا البواسل أقوى من إرادة السّجّان الإسرائيلي.

كما نُشيد بأخواتنا الأسيرات اللاّتي يتعرَّضن للقمع والتنكيل وحرمانهن من حقوقهن الإنسانية، حيث أُصيبت العديد من الأخوات بفيروس كورونا، داعين الله لهنّ بالشفاء العاجل والفرج القريب، ومن المعلوم أنّ سلطات الاحتلال تُمْعِنُ وَتُصَعِّدُ من إجراءاتها ضِدّ الأسرى لِتَفُتّ في عَضُدِهم  وَتُثبط من معنوياتهم.

إننا نقف إجلالا وإكباراً لآلاف الأسرى الذين ضَحَّوا بأغلى ما يملكون من أجل الوطن ، وعملوا جاهدين لتحقيق حُلُمِهم الأكبر وهو تحرير الأرض والإنسان، ولم تُثْنِ من عزيمتهم وإرادتهم تلك السنوات الطويلة من القهر والحرمان وَظُلمِ السَّجَّان .

الحُــرّية لأســرانا الأبطـــال

إِنّ مُعظم أبناء شعبنا  الفلسطيني قد تعرّضوا لِلسّجْن وَأَذَى السّجّان في مُختلف سجون الاحتلال المنتشرة في كافة أرجاء الوطن، فقضية الأسرى هي القضية المركزية التي تشغل اهتمام  أبناء شعبنا الفلسطيني.

وهل ننسى أسرانا الأبطال؟!، وكيف لنا أن نغفل لحظة عن سيرتهم العطرة ومواقفهم المُشرفة ؟!

مَن الذي كتبَ وثيقة الوفاق الوطني؟!

مَن الذي يَحُثّ شعبه على الوحدة والتعاضد والتكاتف ؟!

مَن الذي يُمسك بالبوصلة المُتّجهة إلى الأقصى و القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية ؟!

إنهم إخوتنا وأحباؤنا الأسرى ، فهم القابضون على الجمر ، الصابرون على أذى الجَلاّد ، الذين ينتظرون بصبرٍ ساعة الفرج القريب إن شاء الله تعالى.

إننا من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس نُطالب المؤسسات الدولية ذات الصّلة ومؤسسات حقوق الإنسان بضرورة العمل على حماية أسرانا الأبطال من آلة القمع الإسرائيلية، كما نُطالب الأشقَّاء في الأمتين العربية والإسلامية أيضاً بضرورة الضّغط على الجهات الدولية ذات العلاقة من أجل العمل على إطلاق سراح جميع أسرانا البواسل.

أما آن لأسرانا الأبطال أن يتنفسوا نسائم الحرية ؟!

أما آن لأسرانا الأبطال أن يخرجوا من زنازين المحتلين ؟!

أما آن لأسرانا الأبطال  أن يُسهموا في بناء وطنهم كما أسهموا في الذَّوْدِ عنه ؟!

أما آن للأسرة الفلسطينية أن تجتمع من جديد ،كما كانت دائماً قوية موحدة .

أيها الأسرى الأبطال: نحن معكم ولن نترككم وحدكم في المُواجهة، ولن نتخلّى عنكم حتى يُنعم الله سبحانه وتعالى عليكم بالحرية من سجون الاحتلال إن شاء الله؛ لِتشاركوا في بناء هذا الوطن الغالي كما شاركتم في الذّودِ عنه، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنّ الفجر آتٍ بإذن الله ، ويسألونك متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريباً، فما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد العُسر إلا  اليُسر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(3)، وكما جاء في الحديث الشريف أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال: ( لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ )(4) .

نداء إلى الفصائل الفلسطينية

إِنّ شعبنا الفلسطيني يتطلّع إلى تحقيق الوحدة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وفتح صفحة جديدة من الأخوّة والمحبّة، فقد آن لنا أن نتساءل :

أَلَمْ يَكْفنا ما تتعرّض له مقدّساتنا  وفي مقدّمتها المسجد الأقصى المبارك من اعتداءات مُتكرّرة ؟!

أَلَمْ يكفنا ما تتعرّض له بلادنا المباركة من سَلْب ونهب ومصادرة وتدمير وحصار ؟!

أَلَمْ يكفنا ما يتعرّض له شعبنا الفلسطيني المُرابط – رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً- مِنْ قتلٍ وتشريد؟!

أنسينا شهداءنا  الأبطال الذين رَوَوْا بدمائهم ثرى هذا الوطن الغالي ؟!

ماذا نقول لأسرانا البواسل الذين ضَحَّوا بحريتهم وما زالوا ينتظرون ساعة الفرج؟

ألم يقل الشاعر: إِنَّ المصائب يجمعن المُصَابينا...؟!؛  لذلك فإِنّ الواجب علينا أن نُوَحِّد كلمتنا، ونَرُصَّ صفوفنا؛ لنستعيد وحدتنا فهي سِرُّ قوتنا وعزّتنا وكرامتنا، ولنِتَصَدّى جميعاً للهجمة الإجراميّة على أقصانا وأسرانا ومقدساتنا وعاصمتنا وبلادنا المباركة، ولنعمل معاً وسوياً على إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وخروج جميع الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم إن شاء الله تعالى .

 اللّهم اجمع شملنا، وَوَحِّد كلمتنا، وَألّفْ بين قلوبنا، يا ربّ العالمين

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

  1. سورة الإنسان الآية (8)              
  2. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/585  
  3. سورة الشرح الآية (5-6)   
  4. أخرجه الحاكم والبيهقي