2022-07-06

قيــام الليــل دَأبُ الصّالحين


2022-01-28

  الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(1).  

   جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة : [{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } أي تَتَنَحَّى وتتباعد أطرافهم عن الفرش ومواضع النّوم، والغرض أَنّ نومهم بالليل قليل لانقطاعهم للعبادة كقوله { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال مجاهد: يعني بذلك قيام الليل {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي يدعون ربهم خوفاً من عذابه وطَمَعاً في رحمته وثوابه {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي وَمِمَّا أعطيناهم من الرّزق يُنفقون في وجوه البرِّ والحسنات {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} أي فلا يعلم أحدٌ من الخلق مقدار ما يُعطيهم الله من النّعيم، مِمَّا لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر { جَزاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ثواباً لِمَا قَدَّموه في الدنيا من صالح الأعمال] (2).

إِنَّ قيام الليل شِعَارُ المُتَّقين، فقد داوم عليه رسولنا الكريم –صلّى الله عليه وسلّم- شُكْرًا لله –عزَّ وجلًّ-، فكان – عليه الصَّلاة والسَّلام- يقوم الليل مُتَهَجِّداً راكعاً ساجداً حتى تتفطَّر قدماه وتفيض عيناه بالدّموع خشية من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث عن عائشة- رضي الله عنها – قالت: ( كَانَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - إذا صلَّى  قَامَ حتى تَفَطَّرتْ رِجْلاَهُ، قالت عائشةُ : يا رسولَ اللهِ، أَتَصْنَعُ هذا وقد غُفِرَ لكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبكَ وما تأخَّرَ ؟ فقال : يا عَائِشَةُ أَفَلاَ أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ) (3). 

فضل قيام الليل

من النوافل التي تُقَرِّبنا إلى الله سبحانه وتعالى قيام الليل، ففضله عظيم وأجره كبير، كما جاء في الحديث : عن أبي أُمَامةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  أنّه قَالَ : (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ) (4).

 وقد وردت آيات كثيرة تتحدث عن قيام الليل وفضله، منها :

*  قوله سبحانه وتعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}(5).

 *وقوله سبحانه وتعالى أيضًا :{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}(6).

كما وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن أهمية قيام الليل وفضله، منها:

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ- رضي الله عنه- : ( أَنَ النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ،  وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ،  تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلامٍ) (7).

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ :  قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
 (  أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ)(8).

الشتــاءُ ربيع المــؤمن

مِنْ أبواب الخير ونحن نَتفيَّأُ بركات فصل الشتاء طول الليل، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم – : (الشِّتاءُ رَبِيعُ المؤمنِ، طَالَ لَيلُه فقَامَهُ، وقَصُرَ نَهارُه فصَامَهُ)(9)، قال ابن رجب – رحمه الله- : (إِنّما كان الشتاءُ ربيعَ المؤمنِ؛ لأنه يَرْتَعُ فيه في بساتينِ الطّاعاتِ، ويسرحُ في ميادينِ العباداتِ ، ويُنَزِّهُ قلبَه في رياضِ الأعمالِ المُيَسَّرةِ فيه)(10)، حيث يُمكن للإنسان أن يأخذ نصيبه من النّوم والرّاحة، ثم يقوم قبل الفجر إلى صلاة القيام، فإِنّ صلاة الليل دأبُ عباد الله الصالحين المُستغفرين المُتقربين إلى الله عزَّ وجلَّ كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}(11)، فهذا الوقت المبارك ينزل فيه الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا.

أخي القارئ الكريم : إِنّ ليل الشتاء طويل فلا تُضَيِّعه في النّوم أو السَّهَر  فيما لا ينفع، واغتنم لَيْلَكَ في طاعة الله سبحانه وتعالى وذكره؛ لتكون من الفائزين في الدّنيا والآخرة.

 استحباب تطويل القراءة في صلاة قيام الليل

إِنَّ الخشوع روح الصلاة، ولابُدَّ للمُسلم من مُجَاهدة نفسه لاستحضار الخشوع المطلوب، فالصلاة الخاشعة هي الصلاة النّافعة التي يَنَالُ بها العبد رحمة ربه سبحانه وتعالى والفلاح في الدنيا والآخرة، والخشوع يحصل في القلب ثم يتبعه خشوع الجوارح والأعضاء، فقد جاء في الحديث عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: ( صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ:  يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ،  ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، فَقُلْتُ : يَرْكَعُ بِهَا ، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ  فَقَرَأَهَا،  يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ،  وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ" ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ) (12).

 فاحرصْ أخي القارئ أنْ تُصَلّي قيام الليل ما استطعتَ من ركعتين أو أربع أو أكثر ، وأنْ تغتنم هذا الوقت الذي يتجلّى الله سبحانه وتعالى فيه لعباده، فتكون إنْ شاء الله من السُّعداء في الدنيا والآخرة.

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :         

1- سورة السجدة الآية (16-17)       

2- صفوة التفاسير للصابوني 2/504      

3- أخرجه مسلم                

4- أخرجه الترمذي                               

5-سورة الفرقان الآية(63-64)          

6-  سورة الإنسان الآية (26)

7- أخرجه الترمذي                               

8- متفق عليه                                               

9- أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد3/258

10- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف(356)                           

11- سورة آل عمران الآية (17)            

12- أخرجه مسلم