2022-07-06

شهـر رجب ... والذكريات الخالدة


2022-02-04

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}(1).

جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا  }  أي إِنّ عدد  الشهور المُعْتَدّ بها عند الله في شرعه وحكمه هي اثنا عشر شهراً  على منازل القمر ، فَالْمُعْتَبَرُ به الشهور القمرية إِذْ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية {فِي كِتَابِ اللّهِ} أي في اللوح المحفوظ {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} قال ابن عباس: كتبه يوم خلق السموات والأرض في الكتاب الإمام الذي عند الله {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} أي منها أربعة شهور مُحَرَّمة هي: "ذو القعدة، وذو الحجة، والمُحَرَّم، ورجب" وسُمِّيت حُرُماً لأنها مُعَظَّمة مُحْترمة تتضاعف فيها الطاعات ويحرم القتال فيها {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} أي  ذلك الشرع المستقيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي لا تظلموا في هذه الأشهر المُحَرَّمة أنفسكم بِهَتْكِ حُرْمَتِهِنّ وارتكاب ما حرّم الله من المعاصي والآثام{ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}أي قاتلوهم جميعاً مُجتمعين غير متفرقين كما يُقاتلكم المشركون جميعاً {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}أي معهم بالنّصرة والتّأييد ، وهو بشارة وضمان لأهل التقوى) (2).

فَلِشَهْرِ رجب في التاريخ شأن عظيم وهو من الشّهور الحُرُم،  فقد أخرج الإمام البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  قَالَ : ( إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ - ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ- وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ...) (3).  

لِمَ سُمِّيتْ هذه الأشهر الأربعة حُرُماً؟

جاء في كتاب ( مختصر لطائف المعارف للإمام ابن رجب): (واختلفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذه الأشهرُ الأربعةُ حُرُماً، فقيلَ:  لِعِظَمِ حُرْمتِها وحُرْمة الذَّنبِ فيها ، وقيلَ: إِنَّما سُمِّيَتْ حُرُماً لتحريمِ القتال فيها، وكان ذلك معروفًا في الجاهليّة، وقيل: إنَّ سببَ تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التَّمَكُّن من الحجِّ والعُمرة، فَحُرِّم شهرُ ذي الحِجَّة لوقوع الحجِّ فيه، وَحُرِّم معه شهرُ ذي القعدة للسَّيْرِ فيه إلى الحجّ، وحُرِّم شهر المحرَّم للرجوع فيه من الحجّ، حتى يأمن الحاجّ على نفسه من حين يَخُرْجُ من بيته إلى أن يرجع إليه، وحُرِّمَ شهرُ رجب، للاعتمار فيه في وَسَطِ السَّنة، فيعتمرُ فيه مَنْ كان قريباً من مكة).

أبرز الأحداث الإسلامية في شهر رجب

شهر رجب من الشهور الحافلة بالذكريات الإسلامية الخالدة ، و من هذه الذكريات:

    * الهجرة الأولى إلى الحبشة:

      لمّا رأى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – ما يُصيب أصحابه من البلاء، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنَّ بها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحد، وهي أرضُ صِدق، حتى يجعل الله لكم فَرَجاً مِمَّا أنتم فيه ، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- إلى أرض الحبشة مَخَافَةَ الفِتْنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أوّل هجرة كانت في الإسلام، وكان مخرجهم في شهر رجب من السّنة الخامسة للبعثة.

       وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان معه امرأته رُقَية بنت رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-،... بالإضافة إلى عددٍ من الصحابة الكرام، فكان هؤلاء العشرة أَوَّل من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، ثم خرج جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه -، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهلَ له معه ، فكان جميع من لَحِقَ بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً أو وُلدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلاً ( 4).

    * غزوة تبوك:

     ذكرت كُتب السّيرة أنها كانت في شهر رجب سنة تسع للهجرة ، وَتُسَمَّى هذه الغزوة بغزوة العُسْرة للضّيق الذي كان به المسلمون وشِدّة الحَرّ، وكان رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم- قَلَّما يخرج في غزوة إلا كَنى عنها ، وورَّى بغيرها ، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بَيَّنَهَا للناس؛ لِبُعْد الشُّقة وشِدَّة الزمان وكثرة العدو، وقد ظهر المنافقون في هذه الغزوة فاعتذروا عن عدم الذهاب، بينما جاء البَكّاؤون إلى الرسول – صلّى الله عليه وسلّم- وطلبوا منه أن يحملهم حتى يُجاهدوا إلا أنه لَمْ يجدْ ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدّمع،  ولما انتهى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم– إلى تبوك أتاه صاحب أَيْلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْبا وأذْرَح ، فأعطوه الجزية.

   * فتح صلاح الدين الأيوبي للقدس:

إنها ذكرى تحرير القدس على يَدِ القائد صلاح الدين الأيوبي-رحمه الله-،  في يوم الجمعة 27/رجب /583هـ وفق 2/أكتوبر/1187م، ومن المعلوم أَنّ القائد صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- يُعَدُّ من أشهر الشخصيات العسكرية والسياسية التي يتناولها الدَّارسون في تاريخ الإسلام، فقد حَمَلَ هُموم الأمة في قلبه وعقله، فجمع الشّمل، وَوَحَّدَ الكلمة، ورتَّب الجيوش، فكان النصرُ حليفه، ولمّا استعصى فتح مدينة عكا على القائد المسلم صلاح الدين، استعان بإخوانه من بلاد المغرب العربي الذين أرسلوا أسطول المُوَحِّدين لِمُسَاندته، وفعلاً تم فتح  مدينة عكا، وشارك هؤلاء الجُند مع القائد صلاح الدين في  فتح مدينة القدس وتحريرها من الاحتلال الصليبي، وتَطْهِير المسجد الأقصى المبارك من دَنَسِهم، بعد أن كانت هذه المدينة المُقدسة أسيرة لثمانية وثمانين عاماً في أيدي الاحتلال الفرنجي (الصليبيين)، دون إراقة المسلمين لِقَطْرة دَمٍ واحدة من الغُزاة، وهي التي سبحت فيها خيول الصليبيين في دم المسلمين، ومن الجدير بالذكر أنَّ  القائد/ صلاح الدين وولده الابن البكر عليّ  قد أوقفا عليهم وقفيةً في المدينة المُقدسة عُرِفت بوقفية الملك الأفضل تقديراً لجهودهم في تحرير المدينة المُقدسة، وأسكنهم حارة المغاربة بجوار المسجد الأقصى، هذه الحارة التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي وأزالها عن الوجود بعد احتلاله للقدس عام 1967م.

    * الإســراء والمعـــراج:

      في شهر رجب من كلّ عام يتذكَّر المسلمون ذكرى من أعزّ الذكريات، إنها ذكرى الإسراء والمعراج، وقد تحققت هذه المُعجزة في شهر رجب قبل الهجرة النبوية الشريفة، فحادثة الإسراء من المُعجزات والمُعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، لذلك فإنَّ ارتباط المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالأقصى والقدس وفلسطين هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً.

      لقد جاءت حادثة الإسراء والمعراج بعد وفاة خديجة-رضي الله عنها- زوج الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- التي كانت تُرَوِّح عن قلبه الهموم والأحزان، كما أنَّ القدر أبى إلا أن يُكمل قضاءه  فمات عمه أبو طالب في نفس العام الذي عُرف بعام الحزن، وأصبح الرسول –صلّى الله عليه وسلّم- بعد موتهما في مكة وحيداً، لا يجدُ أنيساً يُسَلِّيه داخل البيت، ولا نصيراً يَحْميه خارجه ،فكان لرحلة الإسراء والمعراج  أثرٌ كبير في نفس رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم -، فقد استيقن بتكريم الله عزَّ وجلَّ له، وأنه لن يتخلَّى عنه وَسَيُؤيده بنصره، وكذلك في نفوس أصحابه الكرام – رضي الله عنهم أجمعين - ، حيث كان الإسراء امتحاناً لإيمانهم.

 لقد جمع الله سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام- في المسجد الأقصى المبارك ،حيث صَلَّى بهم  رسولنا-صلّى الله عليه وسلّم- إماماً في ليلة الإسراء والمعراج، كما جاء في الحديث عَنْ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-،(قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ – صلّى الله عليه وسلّم-،...قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-الْمَسْجِدَ الأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ)(5).

هذا شهر رجب بفضله وذكرياته، فيجب علينا أن نغتنم هذه الأيام المُباركة بالإكثار من الطّاعات واجتناب المنهيَّات والمُحَرَّمات.

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

1- سورة التوبة الآية (36)                             

2-  صفوة التفاسير للصابوني 1/534-535                                                    

3 - أخرجه الشيخان

4- تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون ص60           

5- أخرجه أحمد