2022-07-06

الخوف من الله … سِمَةُ المؤمنين


2022-02-11

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}(1).  

جاء في كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير في تفسير  الآية السابقة : ( يقول تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مُشفقون من الله خائفون منه وَجِلُونَ من مَكْرِهِ بهم، كما قال الحسن البصري: إِنَّ المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإِنَّ الكافر جمع إساءة وأمنًا) ( 2).

من المعلوم أَنَّ الخوف من الله سبحانه وتعالى هو سِمَةُ المؤمنين وآية المُتقين،  وخوف الله تعالى في الدنيا طريقٌ للأمن في الآخرة، وسببٌ للسعادة في الدارين، ودليلٌ على كمال الإيمان وَحُسْن الإسلام وصفاء القلب وطهارة النّفس ، كما في قوله  سبحانه وتعالى : {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(3)، وقوله – سبحانه وتعالى- أيضاً :{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (4)، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه،كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾(5).

فضل الخوف من الله

 لقد مدحَ الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذين تملأ خَشْيَتُهُ قلوبهم، وتغمر مَهَابَتُهُ وجلاله نفوسهم، يفعلون الخير الكثير، ولكنهم لايَغْتَرّون ولايأمنون عذاب الله عزَّ وجلَّ، كما في قوله سبحانه وتعالى :{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}، فالخوف من الله له ثوابٌ عظيمٌ وأجرٌ كبيرٌ عند الله تبارك وتعالى، كما جاء في الحديث الشريف  :  عن عبد الله بن عباس-  رضي الله عنهما -  قال : سمعتُ رسول الله  – صلّى الله عليه وسلّم - يقول : ( عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله) ( 6)، وكذلك ما رُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ – صلّى الله عليه وسلّم – قال : ( قَالَ الله تعالى: وَعِزَّتِي، لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (7).

الخوف من الله ... سبيلُ الرُّسُلِ والصالحين

 إِنَّ الخوف من الله سبحانه وتعالى والهيبة من سُلطانه يتناسب طردياً مع قوة الإيمان بالله عزَّ وجلَّ، فكلّما قوي الإيمان زاد الخوف من الله، وكلّما ضعف الإيمان قلَّ الخوف من الله، لذلك نجد الأنبياء والرُّسل الكرام– عليهم الصلاة والسلام-  هم أشدّ الناس خوفاً ويليهم في ذلك المؤمنون الصادقون.

* فهذا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: الذي غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه وما تأَخّر،  كان أشدَّّ الناس خوفاً من الله، فقد جاء في الحديث الشريف أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم-  قال: (...وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ)(8)، وجاء في الحديث الشريف أيضاً عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -  قَالَ: ( قَالَ لِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اقْرَأْ عَلَيَّ" قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} قَالَ: "حَسْبُكَ الآنَ"، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) (9).

* وهذا أبو بكر الصّدّيق- رضي الله عنه- : ثاني اثنين إِذْ هُمَا في الغار، الذي لو وُزِنَ إيمانُهُ بإيمان الأُمَّة لرجح إيمانه على إيمان الأُمَّة، يقول – رضي الله عنه- : (لو علمتُ أنه لَنْ يدخلَ النار إلا رجلٌ واحد،  لَخِفْتُ أن أكون ذلك الرّجل)، ويقول أيضاً: (لو كانت إحدى قَدَمَيَّّ في الجنّة والأخرى خارجها ما أَمِنْتُ مَكْرَ الله).

* وهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي ملأَ  الأرض عَدْلاً كان  يقول : (وَيْلٌ لِعُمَر إنْ لم يُغْفرْ له)، وكان يَلْقى الصبيَّ الصغير يأخذ بيده ويقول: (يا بُنَيَّ ادعُ اللهَ لي،  فإنّك  لم تُخْطئ بعد) .

* وهذا عثمانُ – رضي الله عنه– كان إذا وقفَ على القبرِ بكى حتى تَبْتَلَّ لحيته – رضي الله عنه-.

هذه بعض النّماذج التي تدلّ على خوف المؤمنين من الله سبحانه وتعالى، مع مَا بَشَّرَهُم الله سبحانه وتعالى به من المغفرة والرّضوان.

 أما نحن اليوم، فإنّ الواحد منّا يظلم نفسه، ويفعل ما يفعل من الذنوب، وَيُقَصِّر في حقوق الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك فهو آمِنٌ مطمئن .

إِنَّ الخوف من الله سبيل النجاح في الدنيا والآخرة، فاحرص أخي القارئ على أن تكون خائفاً من الله سبحانه وتعالى، وأن تُربي أولادك على ذلك، فإذا فعل ولدك شيئاً مُحَرّماً فَذَكِّره بضرورة الالتزام بالشّريعة الغرّاء وبالخوف من الله سبحانه وتعالى، وبأنَّ الله مُطَّلِع على كلّ شيء ولا تخفى عليه خافية، عندئذٍ يُصبح ذلك سُلوكاً له، لأنَّ مَنْ أَدَّبَ ولده صغيراً سُرَّ به كبيراً، أما إذا تركناهم هكذا بدون عناية وتوجيه، فستكون النتيجة مُدَمِّرة وقاسية، فعلينا أن نربيهم على طاعة الله سبحانه وتعالى والخوف منه.

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

1-سورة المؤمنون الآية (57)

2-تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/332

3- سورة النازعات الآية (40-41)

4- سورة الرحمن الآية(46)                   

5- سورة لقمان الآية ( 33)                     

6- أخرجه الترمذي

7- أخرجه ابن حبان        

8- أخرجه الشيخان          

9- أخرجه البخاري