2022-07-06

معجزة الإسراء والمعراج


2022-02-18

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(1 ).

جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير الآية السابقة: ( يُمَجِّد تعالى نفسه، ويُعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحدٌ سواه، فلا إلهَ غيره ولا ربَّ سواه، {الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } يعني محمداً – صلّى الله عليه وسلّم -، {لَيْلاً} : أي في جنح الليل، {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }: وهو مسجد مكة {إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى } وهو بيت المقدس الذي بإيلياء معدن  الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل-عليه السلام-، ولهذا جُمعوا له هناك كلهم فأمَّهم في محلتهم ودارهم، فَدَلَّ على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المُقَدّم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله تعالى ‏{‏الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏‏:‏ أي في الزروع والثمار، ‏{‏لِنُرِيَهُ}‏‏:‏ أي محمداً ‏{‏مِنْ آيَاتِنَا ‏}‏‏:‏ أي العظام، كما قال تعالى‏:‏{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}‏، ‏{‏إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}‏ أي السميع لأقوال عباده البصير بهم، فَيُعطي كلاً منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة‏)(2).

يتفيَّأ المسلمون في هذه الأيام ظلال شهر كريم هو شهر رجب، وعندما يُقبل هذا الشهر المبارك يستحضر المسلمون في كلّ مكان ذكرى من أعزّ الذكريات، إنها ذكرى الإسراء والمعراج، فحادثة الإسراء من المُعجزات، والمُعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، لذلك فإِنَّ ارتباط المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها  بفلسطين والقدس والأقصى هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً.

الإسراء والمعراج تكريمٌ لرسولنا -صلّى الله عليه وسلّم –

إِنَّ حادثة الإسراء والمعراج جاءت بعد نوازل عظيمة نزلت بالرسول -صلّى الله عليه وسلّم –، وأهمها: فقده  -صلّى الله عليه وسلّم - لِنَصيريه في البيت ( زوجه خديجة – رضي الله عنها-) وفي المجتمع (عمه أبي طالب)، وبعد الإيذاء الشديد من المشركين في مكة المكرمة، مِمَّا دفعه -صلّى الله عليه وسلّم -  للتوجه إلى الطائف، لَعَلَّه يجد عند أهلها العون والنُّصْرة ، لكنَّ أهل الطائف خذلوه – عليه الصلاة والسلام-، بل إنهم أغروا به سفهاءهم وصبيانهم،  حيث أساءوا إليه– صلّى الله عليه وسلّم – وقذفوه بالحجارة حتى دَمِيَتْ قدماه ، ومع ذلك فقد واصل – صلّى الله عليه وسلّم-  مَسِيرته صامداً كالطَّوْدِ  الأَشَمّ لمْ تهزّه العواصف الهوجاء ولا الرياح العاتية ، مُتمَسِّكاً بحبل الله مُتضرعاً إليه ، داعياً ربه بقوله – عليه الصلاة والسلام-: (إِنْ لم يكنْ بك غضبٌ عليّ فلا أُبالي،... لك العُتْبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قُوَّة إلا بك)، وهكذا جاءت حادثة الإسراء والمعراج في هذه الأوقات العصيبة لِتُثَبِّت قلبَ النبي – صلّى الله عليه وسلّم – وتَشُدَّ من أزره ، وهي جائزة ما بعدها جائزة،  ومِنْحَة بعد مِحْنَة، اختصّ الله سبحانه وتعالى بها محمدًا- صلّى الله عليه وسلّم -، حيث فرَّج الله كُربته وأزال همَّه ورفع قدره، وصدق الله العظيم:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(3).

 كما كانت هذه الحادثة امتحاناً لِقوّة إيمان المسلمين ومدى تمسكهم بالدعوة وصاحبها ، حيث  ارتدَّ بعض ضِعَافِ الإيمان حينما أخبرهم رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – بذلك ، لكنَّ المؤمنين الصادقين ثبتوا على إيمانهم وازدادوا يقيناً على يقينهم.

 لماذا كان الإسراء إلى بيت المقدس؟

* لقد كان الإسراء إلى بيت المقدس دون غيره من الأماكن لِمَا شرَّفه الله تعالى به من بعثات الأنبياء السابقين، وزيارات الرُّسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام- جميعاً له، ولإقامة أكثرهم حوله، وصلاتهم جميعاً فيه،  فقد ذكر مجير الدين الحنبلي رواية مقاتل بن سليمان في بركة هذا المكان المُقَدّس: (... ما فيه شبرٌ إلا وقد صلّى عليه نبيّ مُرْسل أو قام عليه مَلَكٌ مُقَرّب ... وتاب الله على زكريا وبشّره بيحيى في بيت المقدس، وكان الأنبياء–عليهم الصلاة والسلام- يُـقَرِّبون القرابين في بيت المقدس، وَأُوتيت مريم-عليها السلام- فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء في بيت المقدس، وَوُلِد عيسى –عليه الصلاة والسلام- وتكلّم في المَهْدِ صبيًّا في بيت المقدس، وَرَفعه الله إلى السماء من بيت المقدس، وأُنزِلَت عليه المائدة في بيت المقدس، وَأَعْطَى الله- سبحانه وتعالى- البراق للنبي – صلّى الله عليه وسلّم- تحمله إلى بيت المقدس)(4).

* ولِمَا للقدس من أهمية في تاريخ المسلمين؛  فقد رغّب الله – سبحانه وتعالى - السُّكْنَى فيها لِمَا ورد في الحديث القدسي: (قال الله عزّ وجلّ لبيت المقدس: أنت جنتّي وقدسي، وصفوتي من بلادي، من سكنك فبرحمة مني، ومن خرج منك فَبِسُخْطٍ مِنّي عليه)(5)، والله عزَّ وجلَّ اختارها مسرى لرسوله الكريم- صلّى الله عليه وسلّم -، كما اختارها من قبل مُسْتَقَرّ الخالدين من إخوانه الرُّسل الكرام، ففيها قبور الأنبياء والصالحين كما أنّها مهد النّبوات ومهبط الرسالات.

 فمن هنا نعلم سبب اختيار الله تعالى بيت المقدس ليكون توأماً خالداً لمكة المكرمة، فهو قبلة المسلمين الأولى، وأرض المحشر والمنشر، كما جاء في الحديث  عن ميمونة مولاة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قَالَتْ: (يَا رَسُوَلَ اللهِ، أَفْتِناَ فِي بَيْتِ الْمَقِدْسِ، قَالَ:" أَرْضُ الْمَحْشَر ِو الْمَنْشَر...)(6).

مشاهد رآها رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم- في رحلة الإسراء والمعراج

لقد رأى –صلّى الله عليه وسلّم- في رحلة المعراج مشاهد من أهل الجنَّة ومشاهد أخرى من أهل النّار، للترغيب في عمل الخير، والتحذير من عمل الشّر، فمن المشاهد التي شاهدها- صلّى الله عليه وسلّم-:

* (...وَمَرَّ بِقَوْمٍ تُرْضَخُ رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ ،كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ ، قَالَ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَثَّاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلاةِ) (7 )، فالصلاة عَمُودُ الدّين كما قال – صلّى الله عليه وسلّم -: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ )(8)، وهي أوّل ما يُحَاسَبُ عليه العبد يوم القيامة، كما قال- صلّى الله عليه وسلّم-: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ)(9)، وهي آخر وصيّة وصّى بها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أمته عند مُفَارقته الدنيا: (الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(10).

* (وَمَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ لَحْمًا نَيْئًا خَبِيثًا وَيَدَعُونَ لَحْمًا نَضِيجًا طَيِّبًا قَالَ : هَؤُلاءِ الزُّنَاةُ ) (11).

من المعلوم أنّ الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، فعندما يُحَرِّم أمراً فهو يُوجد البديل، لقد حرّم الإسلام الزنا وأوجد البديل وهو الزواج، وحرّم الربا وأوجد البديل وهو التجارة، فالزواج هو الطريق الشَّرعي لتكوين الأسرة المُسلمة ولحفظ النّسل وصيانة المجتمع من الرَّذيلة، والزّنا سببٌ للهلاك في الدنيا والآخرة، لذلك لم يُحَرِّم الإسلام الزنا فقط، بل حَرَّم كلّ منافذه من خَلْوَة ونظر وغير ذلك، صيانة للأعراض وحفاظاً على المجتمع الإسلامي من انتشار الرذيلة. 

 *(ومَرَّ بِقَوْمٍ يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ،كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، قَالَ جِبْرِيلُ:هَؤُلاءِ الْمُجَاهِدُونَ)(12).

لقد بيَّن الفقه الإسلامي أنَّ الشهيد أرفع النّاس درجة بعد الأنبياء والصّدّيقين، كما جاء في الحديث: (أنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى الصَّلاةِ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي ، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ :اللَّهُمَّ آتِنِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ , فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّلاةَ, قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا ؟ قَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : إِذًا يُعْقَرُ جَوَادُكَ ، وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(13).

 *  (وَمَرَّ بِقَوْمٍ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَالأَنْعَامِ ، قَالَ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ) (14).

الزكاة يُؤدِّيها المسلم امتثالاً لأمر الله تعالى ، وطلباً لمرضاته ورغبة في ثوابه وخوفاً من عقابه، ومواساة لإخوانه المحتاجين من الفقراء والمساكين ونحوهم، لقوله – صلَى الله عليه وسلّم -: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ‏،‏ وَيَقُولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا )(15).

هذه بعض المشاهد التي رآها رسولنا – صلّى الله عليه وسلَم – في رحلته الميمونة، فيها العِبَر والعِظَات لمن كان له قلبٌ أو ألقى السّمع وهو شهيد، وفيها بيان لِقُدْرة الله –سبحانه وتعالى- الذي لا يُعْجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

إِنَّ رحلة الإسراء والمعراج تُحَرِّك المشاعر عند المسلمين، وتأخذ بأيديهم نحو حياة العِزَّة والكرامة ، وتُريهم آيات الله الباهرة التي لا يستطيع مَنْ يسمع عنها أو يراها إلا أن يقول: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(16)، وسَتَظَلّ تلك الحادثة المُباركة مصدر هدى، ومنبع يقين، لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكوراً، فسبحان من طوى الزَّمان لنبيّه – صلّى الله عليه وسلّم-، فأسرى به وعرج ، وعاد النبيّ الكريم - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى بيته وما يزال فراشه دافئاً!.

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

1- سورة الإسراء الآية(1)

2-مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 2/354    

3- سورة الشرح الآية (5-6)

4- الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل للحنبلي 1/361-362

5 - فضائل القدس لابن الجوزي ص95

6- أخرجه ابن ماجه   

7- أخرجه الطبراني

8- أخرجه أحمد        

9- أخرجه الترمذي     

10- أخرجه ابن ماجه  

11- أخرجه الطبراني

12- أخرجه الطبراني   

13- أخرجه الحاكم     

14- أخرجه الطبراني   

15- متفق عليه

16- سورة المؤمنون الآية (14)