2022-07-05

في ظلال ذكرى الإسراء والمعراج


2022-02-25

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(1).

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكّة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكّة والمدينة.

إننا نعيش في هذه الأيام في ظلال ذكرى طيبة مُباركة، إنها ذكرى الإسراء والمعراج، ذكرى المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى، وأحد المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إليها، وهي مَكْرُمَةٌ اختصَّ الله بها نبيه الكريم محمداً -صلّى الله عليه وسلّم-، ومن المعلوم أنّ حادثة الإسراء والمعراج ثابتة بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة المتواترة.

إِنّ حادثة الإسراء والمعراج قضية إيمان لا مجالَ لتحكيم العقل فيها للتّصديق أو عدم التّصديق، لأنّ الحادثة مُعْجزةٌ من المُعْجزات، والمُعْجزة كما عرَّفها العلماء أمرٌ خارقٌ للعادة يُجريه الله – سبحانه وتعالى- على يدِ نبيٍّ لتصديق بَلاَغِه عن الله ، فالمُعجزة إذاً لا يُمكن الإتيان بمثلها في واقع الناس، وإلاَّ لَمَا سُمِّيت بهذا الاسم الذي يعني عجز الناس بالكامل عن الإتيان بمثلها .

 المسجد الأقصى المبارك شقيق المسجد الحرام  

لقد ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام بمكة المكرمة  والمسجد الأقصى بمدينة القدس  في الآية الأولى التي افْتُتِحَتْ بها سورة الإسراء،{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(2)، وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين ولا يُفرِّط في أحدهما، فإنه إذا فَرَّّط في أحدهما أوشك أن يُفرِّط في الآخر، والمسجد الأقصى المبارك ثاني مسجد وُضِع لعبادة الله في الأرض كما ورد عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه-   قال: (قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَيُّ مَسْجدٍ وُضعَ في الأرْضِ أوَّلاً؟ قَالَ : اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ : قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: اَلْمَسجِدُ الأقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيِه) (3)،كما أنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إليها كما جاء في الحديث أَنَّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال : (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)، فهذا الرَّبْطُ لم يكن عبثاً ولكنه إشارة وتنبيه لهذه الأمة بضرورة المُـحافظة على المسجد الأقصى المبارك لِمَا لَهُ من القدسية عند الله سبحانه وتعالى.

الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَـلِّي إماماً بالأنبياء في المسجد الأقصى المبارك

لقد جمع الله -سبحانه وتعالى- الأنبياء والمُرسلين- عليهم الصلاة والسلام- في المسجد الأقصى المبارك، حيثُ صَلَّى بهم  رسولنا-صلّى الله عليه وسلّم- إماماً في ليلة الإسراء والمعراج، كما جاء في عِدَّة أحاديث شريفة، منها:

* عَنْ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-، (قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ – صلّى الله عليه وسلّم-،.... قَالَ : فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَسْجِدَ الأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي ، ثُمَّ الْتَفَتَ ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ)(4).

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى –عليه السلام- قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلام- قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ-عَلَيْهِ السَّلام- قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ صَلّى الله عليه وسلّم -، فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ الصَّلاةِ قَالَ قَائِلٌ يَا مُحَمَّدُ: هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ)(5).

* وعن أنس بن مالك- رضي الله عنهما - أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ-وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ- قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ- قَالَ- فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِه الأنْبِيَاء –قَالَ- ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيِه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَال جِبْرِيلُ عليه السلام اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فاسْتَفْتَحَ جبريلُ فَقِيل: مَنْ أنتَ؟ قال: جبريلُ. قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قال: محمدٌ ...)(6).

جاء في كتاب (فتح المُنعم شرح صحيح مسلم):(بعد هذا الإعداد وذلك التّطهير جِيءَ له بالبُراق، تلك الدّابة العجيبة الشّأن، التي تُشْبه المألوف في الشّكل، وتخالفه في الصّفات والفعل، إنها شبيهة بالحمار الكبير أو البغل الصغير، لكنها تضع حَافِرَها عند مُنتهى بصرها، وإذا صعدتْ جبلاً طالت رجلاها، وإذا هبطت وادياً طالت يداها، فيظلّ ظهرها مُسْتوياً في الحالتين زيادة في راحة راكبها، لقد نقلت رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- وفي صُحْبته جبريل – عليه السلام- من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام في لحظات، وهناك كانت وفود الأنبياء –عليهم السلام- في استقباله، وَأُذِّنَ للصلاة ، فقاموا صفوفاً ينتظرون مَنْ يَؤُمُّهم، فأخذ جبريل بيدِ محمد – صلّى الله عليه وسلّم – فأمَّهم)(7).

القدس والأقصى ... في ظلال الذكرى المباركة

تتزامن ذكرى الإسراء والمعراج هذا العام مع ازدياد وتيرة الهجمة الإسرائيلية الشّرسة على مدينة القدس والأقصى والمقدسات، فمدينة القدس تتعرض لِمِحْنَةٍ من أَشَدِّ المِحَنِ وأخطرها، فالمؤسسات فيها تُغلق، والمرجعيات الشرعية والشخصيات الوطنية تُلاحق، والبيوت تُهدم، والأرض تُنهب، والمقابر تُدَمّر، والمناهج التعليمية تُزَوَّر، والضرائب تُفرض، والهويات تُسحب، وكلّ مَعْلَمٍ عربي يتعرض لِخَطِر الإبادة والتهويد، وفي الفترة الأخيرة أصبحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُجَاهِر في تهويدها للمدينة المُـقدَّسة بِطَمْس مَعَالِمِها وتهجير سُكّانها، فما يحدث في هذه الأيام من جرائم في أحياء المدينة المُقدسة، مثل: حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية والبلدة القديمة وجبل المكبر وغيرها ليس عنّا ببعيد، والعالم وللأسف يُغلق عينيه، ويصمُّ أُذنيه عما يجري في مدينة القدس، وما يجري في المسجد الأقصى يُعَدُّ استباحة مُبرمجة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف تجفيف الوجود الإسلامي المقدسي في المسجد الأقصى، من خلال منع المصلين والمرابطين من الوصول إليه، وفرض السيادة الإسرائيلية عليه من خلال مُحاولة تقسيمه زمانيًا ومكانيًا تمهيدًا لإقامة ما يُسَمَّى بالهيكل المزعوم على أنقاضه لا سمح الله، وكذلك الحفريات الإسرائيلية المُدَمِّرة والأنفاق المُتَعَدِّدَة التي تَسَبَّبَتْ في تقويض بنيانه وزعزعة أركانه، وإننا نُؤَكِّد على أنَّ جميع المحاولات التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفرض أمرٍ واقعٍ في المسجد الأقصى لن تنجح إِنْ شاء الله في تغيير الحقائق وطمس المعالم، فمدينة القدس ستبقى إسلامية الوجه، عربية التاريخ، فلسطينية الهوية، ولن يسلبها الاحتلال وجهها وتاريخها وهويتها مهما أوغل في الإجرام وتزييف الحقائق.

الدّفاع عن القدس والأقصى ... مسئولية الأمة كلّها

إِنَّنا نُشيد بِصُمود أهالي المدينة المقدسة وتمسّكهم الدائم بالدّفاع عن أقصاهم ومقدساتهم، وتصدّيهم المُسْتمر لِمُخَطّطات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يُثبتون في كلّ يوم بسالةً وقوة وتضحية في دفاع مُنقطع النّظير عن أرضهم المباركة، وما يحدث في هذه الأيام من وقفة مُشَرِّفة لأهالي حي الشيخ جراح ليس عنّا ببعيد ،فمسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإِنْ كان هو رأس الحربة في الذَّوْدِ عنه، إِنّما  هي مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في مُسَاندة هذا الشعب المرابط والوقوف بجانبه ودعم صُموده؛  للمحافظة على أرضه ومقدساته.

لذلك فإننا نناشد أبناء الأمتين العربية والإسلامية أَلاَّ ينسوا مسرى نبيهم محمد- صلّى الله عليه وسلّم- وأهله، وأن يعملوا جاهدين على المُحافظة على هذه المدينة المباركة، فالواجب عليهم دعم أشقّائهم المقدسيين في شَتَّى المجالات كي يبقوا مرابطين ثابتين فوق أرضهم المُباركة؛ لأنَّ المواطن المقدسي هو الذي يُدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات صباح مساء.

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحفظ أمتنا وشعبنا والقدس والأقصى والمقدسات من كلّ سوء

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

  1. اخرجه البخاري   
  2. سورة الإسراء الآية (1)       
  3. أخرجه الشيخان
  4. أخرجه أحمد
  5. أخرجه مسلم
  6. أخرجه مسلم
  7. فتح المُنعم شرح صحيح مسلم للدكتور/ موسى شاهين لاشين 1/541