2022-07-06

مِنْ فضائل شهر شعبان


2022-03-11

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام النسائي في سننه عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:  (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟! قَالَ – صلّى الله عليه وسلّم -: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ؛ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ؛ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)(1).

هذا الحديث أخرجه الإمام النسائي في سُننه،  في كتاب الصيام، باب صوم النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- -بأبي هو وأمي- وَذِكْر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك.

لقد أظلنا شهر شعبان المبارك ، وأهَلَّ ببركاته ونفحاته ، فجديرٌ بالمسلمين أَنْ يغتنموا هذا الشهر الفضيل لتحصيل الأجر والثواب، وفعل الخيرات والباقيات الصالحات، حيث إِنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم –  كان يُعَظّم هذا الشهر، وَيُكْثر فيه من الصوم؛ تشريعاً للأمة وحثًّا لها على التزود من التقوى والهداية والأعمال الصالحة الباقية، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}(2)، كما أَنّ شهر شعبان توطئة لشهر رمضان المبارك ، فعلينا أَنْ نتهيأ فيه لاستقبال سيّد الشهور بكثرة الطاعات وكثرة الصيام والتوبة والاستغفار والبُعْد عن المعاصي والآثام.

الحكمة من إكثار الصيام في شعبان

    لأهمية الصيام ولمنزلة شهر شعبان، كان رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم - يصوم أكثر شعبان ، كما جاء في الحديث عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:  (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟! قَالَ – صلّى الله عليه وسلّم -: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ؛ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ؛ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )، وعند دراستنا لهذا الحديث يتبين لنا أنّ حكمة تخصيص الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – شهر شعبان بكثرة الصيام تتلَخَّص في أمرين :

- الأمر الأول: فهو شهر يَغْفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، فَيَعْتَنُونَ بشهر رجب لأنه من الأشهر الحُرُم، ويعتنون بشهر رمضان لعظيم فضله ومكانته عند الله سبحانه وتعالى، ويغفلون بين هذين الشهرين عن شهر شعبان ؛ فَحَرِيٌّ بنا أن لا نغفل عنه ، وأن نصوم منه بقدر المُستطاع، ونُشَجِّع أبناءنا وأهلنا على الصيام والإكثار من الطاعات، فشهر شعبان فيه دلالة واضحة على فضيلة العمل في وقت غفلة الناس؛ لأنه أشقّ على النفوس، ومن المعلوم أنّ العبادة في هذه الأوقات أكثر ثواباً، ولذا كان لصلاة الليل وهي في وقت الغفلة ونوم الناس أكبر الأثر وعظيم الثواب، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(3).  

- الأمر الثاني: أنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، ورسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – يُحِبُّ أن يُرفع عمله وهو صائم، ومن المعلوم أَنّ الأعمال تُرفع إلى الله سبحانه وتعالى بشكل يومي وبشكل أسبوعي وبشكل سنوي، حيث يُرْفَعُ إلى الله سبحانه وتعالى بشكلٍ يومي عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، كما جاء في الحديث أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ، وَصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهِمْ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ)(4)،وتُرفع الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى في يومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: (تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ [أي: أسبوع] مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا[يرجعا ويتصالحا)(5)، كما تُرفع الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى في شهر شعبان من كلّ عام، كما جاء في الحديث: (...وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ...).

نفحات الخير لا تنقطع

إِنَّ لربنا في دهرنا نفحات، تُذَكِّرنا كُلَّما نسينا، وَتُنبهنا كلّما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات، يتزوّد منها المسلمون بما يُعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(6).

إِنَّ نفحات الخير تأتينا نَفْحَةٌ بعد نفحة، فإذا ما انتهينا من أداء الصلوات المفروضة ، تأتي النوافل المُتعددة المذكورة في كُتب الفقه، وإذا أَدَّيْنَا الزكاة المفروضة فإِنّ أبواب الصدقات مفتوحة طيلة العام، وإذا أدينا فريضة الحج فإِنّ أداء العُمرة مُيَسَّرٌ طيلة العام، وإذا أدينا فريضة الصيام فإن صيام النوافل موجود طيلة العام، وهكذا الخير لا ينقطع وهذا فضل من الله ونعمة.

وفي شهر شعبان ليلة مباركة، هي ليلة النصف من شعبان، وقد ورد في فضلها الكثير من الآثار ، ففي هذه الليلة يُستجاب الدعاء، وَتَعُمّ المغفرة، وتهبط الملائكة على أهل الأرض بالرحمة، ولله فيها عتقاء كثيرون من النار، كما جاء في الحديث أَنَّ رسول الله  – صلّى الله عليه وسلّم - قال: (إنَّ اللهَ لَيطَّلِعُ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِهِ، إلا لِمُشْركٍ أو مُشاحِنٍ)(7).

شهر شعبـان ...وتحويل القبلة

 إِنَّ شهر شعبان حافلٌ بالذكريات الإسلامية العظيمة، وفي مُقَدّمتها تحويل القبلة من المسجد الأقصى المبارك بالقدس إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة،  فقد مكث رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وهو يستقبل بيت المقدس، كما جاء في الحديث الشريف عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -  قال: ( صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ )(8)، وكان رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – يُحِبّ أن يأذن الله له في تحويل القبلة إلى الكعبة، وَيُقَلِّبُ وجهه في السماء ترقُّباً لنزول الوحي بذلك وتضرُّعاً إلى الله عزّ وجلّ، فنزلت: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}(9)، فَصُرِف إلى الكعبة، وفي هذا تكريم من الله سبحانه وتعالى لرسوله – صلّى الله عليه وسلّم – واستجابة له.

تحويل القبلة ....ووحدة الأمة الإسلامية

من المعلوم أَنَّ المسلمين يتعلّمون من وحدة القبلة وحدة الأمة الإسلامية، فأمتنا العربية والإسلامية بصفة عامة اليوم  أحوج ما تكون إلى الوحدة ورصّ الصفوف في ظِلّ الظروف القاسية التي يَمُرُّ بها العالم اليوم ، هذا العالم الذي لا مكان فيه للضعفاء ولا للمُتفرقين.

ويتجلّى في توحيد القِبْلة الأثر الواضح في وحدة المسلمين، فكلهم مهما تباعدت أقطارهم ودولهم واختلفت أجناسهم وألوانهم يتجهون إلى قبلة واحدة، فتتوحَّد عواطفهم ومشاعرهم ويستشعرون الانتماء الروحيّ والدينيّ والعاطفيّ في اتجاههم إلى أقدس بُقعة وأشرف مكان اختاره الله سبحانه وتعالى بيتاً له، وأمر بإقامته والطّواف حوله والاتجاه إليه في كلّ صلاة .

ما أحوج أمتنا العربية والإسلامية إلى الوحدة والتَّرَفُّع عن الأحقاد، وطيّ صفحات الماضي المُؤلمة، وأن نفتح جميعاً صفحة جديدة من المحبة والإخاء، ففي ظلّ التعاليم القرآنية والسُّنَّة النبوية الشريفة تعيش البشرية حياة الأمن والخير والسعادة .

إِنَّ شعبنا الفلسطيني اليوم وفي ظِلِّ الظروف الصّعبة التي يَمُرُّ بها  أحوج ما يكون إلى الوحدة، فالقدس لم تُحَرَّر عبر التاريخ إلا بالوحدة،  ولن تتحرّر إلا بالوحدة، فإذا كُنّا مُوَحَّدين فإنّ جميع المؤامرات ضِدّ شعبنا الفلسطيني سيكون مصيرها الفشل بإذن الله، فعلى صخرة الوحدة تفشل التهديدات وتتحطّم المُؤامرات الخبيثة التي تُُحاك ضدّ شعبنا المرابط وأرضنا المباركة.

اللهم بارك لنا في شعبان، وبلِّغنا رمضان

هذا هو شهر شعبان المبارك  الذي خَصَّه الله سبحانه وتعالى بالفضل على سائر الشهور،  لِمَا لَهُ مِنْ مزايا كثيرة ومتعددة، وَلِمَا يشتمل عليه من الفضائل والبركات والخيرات،  وما حَوَى من ألوان الطاعات والقُربات، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ)(10).

نَحْمَدُ الله سبحانه وتعالى على أَنْ مَدَّ في أعمارنا، وأنعمَ علينا حتى أَظَلَّنا شهر شعبان، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أَنْ يُبَلِّغنا بفضله وكرمه شهر رمضان المبارك، اللهم آمين ...آمين يا ربّ العالمين.

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه النسائي                        

2- سورة الكهف الآية (46)

3- سورة السجدة الآية (17)

4- أخرجه الشيخان

5- أخرجه مسلم          

6-سورة البقرة، الآية (197)

7- أخرجه ابن ماجه      

8- أخرجه مسلم        

9- سورة البقرة الآية (144)

10- أخرجه البيهقي