2022-07-06

ليلة النصف من شعبان .... وتحويل القبلة


2022-03-18

 الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

إِنَّ شهر شعبان الذي نتفيأ ظِلاله في هذه الأيام شهر مبارك عظيم؛ حيث يُكْثِر المسلمون فيه من الصيام، ويبتعدون عن الشّهوات والمَلَذّات، فهم يتشبهون بالملأ الأعلى في طهارتهم وتفرّغهم لعبادة الله عزَّ وجلَّ؛ لذلك خصَّه رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – بكثرة الصيام، ولن نفوز بفضل هذا الشهر الكريم إلا إذا اقتدينا بعمل رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم -  من صيام يُزكِّي النَّفْسَ وَيُصَفِّى القلبَ وَيُقَرِّب العبد من ربه؛ ليشكره على جليل نعمه.

 كما أَنَّ شهر شعبان هو الشهر الذي يستعدّ فيه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها  لاستقبال شهر رمضان شهر الخير والبركة، بكثرة الصّيام والطّاعات والقُربات.

ليلة النصف من شعبان ...ليلة مباركة

إِنَّ ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة جليلة يتجلّى الله سبحانه وتعالى فيها على عباده بالرحمة والمغفرة، ففيها تَعُمّ المغفرة، وتهبط الملائكة على أهل الأرض بالرحمة، وتُفتح أبواب السماء، وَيُستجاب الدّعاء، ولله فيها عتقاء كثيرون من النّار، حيث ينظر الله سبحانه وتعالى إلى عباده، فيغفر للمُسْتغفرين، ويتجاوز عن سيئات التائبين، وَيُجيب دعوة الصادقين المُخلصين.

ومن المعلوم أَنّ الله عز َّوجلَّ يعفو عن عباده في هذه الليلة المباركة الطّيبة، ولا يُحْرَم من عفو الله ورحمته إلا الذين هم على الخطايا مُصِرُّون، كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إنَّ اللهَ لَيطَّلِعُ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ ، فيَغفِرُ لجميع خَلْقِهِ، إلا لِمُشْركٍ أو مُشاحِنٍ)(1)،أمّا المُشرك: فلقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}(2)، وأمّا المُشَاحِن: فهو الذي تكون بينه وبين أخيه المسلم شحناء وَخُصومة، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)(3).

إِنَّ الشّرك والشَّحناء والبغضاء أعمالٌ يجب نبذها وتركها والحذر منها والتوبة منها، حتى لا نكون محرومين من هذا الفضل والأجر والثواب.

 شهر شعبـان ...وتحويل القبلة

  إِنَّ شهر شعبان حافلٌ بالذكريات الإسلامية العظيمة، فهو الشهر الذي انتصرَ فيه الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – في غزوة بني المُصطلق، وفيه تزوّج رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – حفصة بنت عمر بن الخطاب –رضي الله عنهما-، كما فرض الله فيه صيام شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة، و من الأحداث المُهِمّة التي سَجََّلها القرآن الكريم في هذا الشهر المبارك تحويل القبلة من المسجد الأقصى المبارك بالقدس إلى المسجد الحرام بمكة المكرمة، فقد مكث رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وهو يستقبل بيت المقدس، كما جاء في الحديث عن البراء بن عازب-رضي الله عنه-  قال: (صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ )(4)، وكان رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – يُحِبّ أن يأذن الله له في تحويل القبلة إلى الكعبة، وَيُقَلِّبُ وجهه في السماء تَرَقُّباً لنزول الوحي بذلك وَتَضَرُّعاً إلى الله عزَّ وجلَّ، فنزلت: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}(5)، فَصُرِف إلى الكعبة، وفي هذا تكريم من الله سبحانه وتعالى لرسوله – صلّى الله عليه وسلّم – واستجابة له.

تحويل القبلة ....ووحدة الأمة الإسلامية

من المعلوم أَنَّ المسلمين يتعلّمون من وحدة القبلة وحدة الأمة الإسلامية، فأمتنا العربية والإسلامية أحوج ما تكون اليوم  إلى الوحدة ورصّ الصفوف في ظِلّ الظُّروف الصّعبة التي يَمُرُّ بها العالم اليوم ، هذا العالم الذي لا مكان فيه للضعفاء ولا للمُتفرقين.

ويتجلّى في توحيد القِبْلة الأثر الواضح في وحدة المسلمين، فكلّهم مهما تباعدت أقطارهم ودولهم واختلفت أجناسهم وألوانهم يتجهون إلى قبلة واحدة، فتتوحَّد عواطفهم ومشاعرهم ويستشعرون الانتماء الروحيّ والدينيّ والعاطفيّ في اتجاههم إلى أقدس بُقعة وأشرف مكان اختاره الله سبحانه وتعالى بيتاً له، وأمر بإقامته والطّواف حوله والاتجاه إليه في كلّ صلاة .

إِنَّ شعبنا الفلسطيني اليوم وفي ظِلِّ الظروف الصّعبة التي يَمُرُّ بها  أحوج ما يكون إلى الوحدة، فالقدس لم تُحَرَّر عبر التاريخ إلا بالوحدة،  ولن تتحرّر إلا بالوحدة، فإذا كُنّا مُوَحَّدين فإنّ جميع المؤامرات ضِدّ شعبنا الفلسطيني سيكون مصيرها الفشل بإذن الله، فعلى صخرة الوحدة تفشل التهديدات وتتحطّم المُؤامرات الخبيثة التي تُُحاك ضِدّ شعبنا المُرابط وأرضنا المُباركة.

فَحَرِيٌّ بنا ونحن في شهر شعبان أَنْ لا نغفل عن فضله ومكانته؛ لذلك يجب علينا أَنْ نغتنم هذه الأيام المباركة بالإكثار من الطّاعات واجتناب المنهيات والمُحَرَّمات.

 اللهم بارك لنا في شعبان، وَبَلِّغنا رمضان ، واجعلنا مِمَّن أدرك عظيمَ الأجرِ، يا أكرم الأكرمين ويا ربَّ العالمين.

 وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

  1. أخرجه ابن ماجه
  2. سورة النساء الآية(48)                                  
  3. أخرجه مسلم           
  4. أخرجه مسلم            
  5. سورة البقرة الآية (144)