2022-07-06

الإسلام ... وَبِرّ الوالدين


2022-03-25

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

  يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(1).

إِنَّ بِرَّ الوالدين فريضةٌ شرعية، فقد أوصى الله سبحانه وتعالى الأبناء بِبِرِّ الوالدين والإحسان إليهما في حياتهما وبعد مَمَاتهما، ومن المعلوم أَنّ للوالدين في الإسلام منزلةً ساميةً لا تَعْدِلُها منزلة ولا ترقى إليها درجة، هذه المنزلة تقتضي الإحسان إليهما والتّرفّق بهما والعطف عليهما في حياتهما ، والتّرحّم عليهما والدّعاء لهما بعد موتهما، فالإحسان إليهما بالقول والعمل، كما جاء في قوله تعالى: {وَبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، ومعاشرتهما بالمعروف وإنْ كَانَا كافرين، كما جاء في قوله تعالى :{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }(2)، والتّأَدُّب أثناءَ الحديث إليهما، كما جاء في قوله تعالى:{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}،والتَّذَلل لهما، كما جاء في قوله تعالى:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}، والدّعاء لهما، كما جاء في قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

قال الإمام القرطبي: (قال العلماء: فأَحقّ الناس بعدَ الخالق المَنَّان بالشُّكر والإحسان والتزام البِرِّ والطاعة له والإذعان، مَنْ قَرَنَ الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره، وهما الوالدان ، فقال تعالى:{ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ})(3).

مِنْ ثمرات بِرِّ الوالدين

إِنَّ بِرَّ الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الأعمال وأحبّها إلى الله سبحانه وتعالى، فَبِرُّ الوالدين فضله عظيم وأجره كبير عند الله سبحانه وتعالى؛ حيث إنه يُكَفِّر الذنوب ويكون سبباً في مغفرتها، كما جاء في الحديث  عَنْ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-، أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ: لا، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهَا )(4).

 ومن ثمرات برِّ الوالدين: طول العمر  وزيادة الرّزق ، والبركة فيهما ، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رضي الله عنه-، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ ، وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) (5).  

الحـثّ عـلى بـِرِّ الوالديـن  

* برُّ الوالدين من أعظم الأعمال :

عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- قال : (سألتُ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ)(6 ).

* أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ :

عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال : (أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنْ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟"، قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاهُمَا، قَالَ: "فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا"( 7) ، وفي رواية : (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ:" أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:" فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ") (8 ).

 * لا يَسُبّ الرّجل والديه :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ :( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : "يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" ) (9 ).

عقوق الوالدين

لقد حذَّر رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – من عقوق الوالدين وجعله من أكبر الكبائر، وقرنه بالشِّرك بالله سبحانه وتعالى، فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟" قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال ثلاثاً: قَالَ: "الإِشْرَاكُ باللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ "، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ،  وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لا يَسْكُتُ) (10).

ومن المعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى يُعَجِّل العقوبة في الدنيا لِمَنْ عقَّ والديه ، وهذا بخلاف عقوبة الآخرة، كما جاء في الحديث: (كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ،  فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ) (7).

  إِنَّ حقوق الوالدين أمانة في أعناق الأبناء واجبة الأداء، ولا يُمكن للأبناء أن يَفُوا والديهم حَقَّهم مهما فعلوا وبذلوا ومهما ضحوا وقدَّموا، فكيف بأولئك العاقّين الشّاردين عن طريق الحق،  البعيدين عن الجادة ، الويل لهؤلاء، لقد ضَلُّوا ضلالاً مُبيناً، وخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المُبين، فَرِضَى الله من رِضَى الوالدين، وسخطه من سخطهما.

لذلك يجب على المُسلم أن يكون بَارًّا بوالديه مُحْسِناً إليهما ، لقوله – صلّى الله عليه وسلّم –: ( بَرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ ، وَعِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ) ( 12).

توجيهـــات للأبنــاء

بهذه المناسبة فإننا نُذكِّر أبناءنا الكرام بضرورة الالتزام بشرع الله سبحانه وتعالى؛ ليكونوا من السّعداء في الدنيا والفائزين في الآخرة إن شاء الله ، وعليهم اتّباع النصائح التالية:

* خاطبْ والديك بأدبٍ وَتَوَاضَعْ لهما، كما قال سبحانه وتعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(13).

*أَطِــعْ والديــك دائمـــاً في غير معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}(14) .

* أَكْرِِمْ صديقهما وأقرباءهما في حياتهما، وبعد موتهما، لِمَا رُوِي عن ابن عمر – رضي الله عنهما- أَنَّ النبي – صلّى الله عليه وسلّم – قال : ( إنَّ أَبَرَّ البِرِّ أنْ يصلَ الرجلُ وُدَّ أبيه) (15 )، فالمسلم يَبرُّ والديه في حياتهما، ويبرّهما بعد موتهما؛ بأن يدعوَ لهما بالرحمة والمغفرة، وَيُنَفِّذَ عهدهما، وَيُكرمَ أصدقاءهما،  لِمَا رُوى عَنْ أَبي أُسَيْد مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ- رضي الله عنه-  قَالَ: (بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَلْ بَقِيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا,وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا") (16).

* زُرْ والديك في حياتهمــا وبعـــد موتهمـــــا ، وتصدَّق عنهما ، وأكثرْ من الدّعاء لهما، مُرَدِّداً قول الله  سبحانه وتعالى  :{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} (17) ، وقوله- سبحانه وتعالى أيضاً: {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (18) .

   إِنَّ حقوق الوالدين  أمانة في أعناق الأبناء وهي واجبة الأداء، ولا يُمكن للأبناء أن يَفُوا والديهم حَقَّهم مهما فعلوا وبذلوا ومهما ضَحَّوا وقدَّموا، ومن المعلوم أنَّ رِضَى الله من رِضَى الوالدين، وسخطه من سخطهما.

   فما أحوج المُجتمعات البشرية إلى الالتزام بمبادئ الإسلام  الرّشيدة  التي تشدّ من عزم الأسرة المُسلمة أفراداً وجماعات، أبناء وبنات، فعندما تتمسَّك الأُمّة بتلك المبادئ الكريمة فإِنَّها ستفوز برضوان الله سبحانه وتعالى، وذلك هو الفوز العظيم.

{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (19).

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

  1. سورة الإسراء الآيتان (23-24)                                      
  2. سورة لقمان الآية (15)                             
  3. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/182-183         
  4. أخرجه الترمذي                 
  5.  أخرجه أحمد                     
  6.  أخرجه البخاري                
  7. أخرجه مسلم                        
  8. أخرجه البخاري                 
  9.  أخرجه البخاري                
  10. أخرجه البخاري                 
  11. أخرجه الحاكم
  12. أخرجه الطبراني والحاكم                       
  13. سورة الإسراء الآية (23-24)
  14. سورة لقمان الآية(15)      
  15. أخرجه مسلم                        
  16. أخرجه أبو داود                 
  17. سورة نوح الآية (28)
  18. سورة الإسراء الآية (24)
  19. سورة الأحقاف  الآية (15)