2022-07-06

مِنَح الرحمن في شهر رمضان المبارك


2022-04-08

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- : (قال اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ،  لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ)(1).    

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، في كتاب الصوم ، باب هل يقول: إني صائم إذا شئتم.

يتفيّأ المسلمون في هذه الأيام ظلال  شهر رمضان المبارك، شهر التسابيح والتراويح، شهر الصيام والقيام، حيث يُطِلّ علينا بخيراته وبركاته ، فقد فرض الله علينا صيام نهاره، وَسَنَّ لنا النبي – صلّى الله عليه وسلّم- قيام ليله، وحثَّنا على اغتنام الأوقات والأعمال الصالحة فيه، ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ ورغبة في جَنّته والنّجاة من ناره، لذلك يجب على المسلمين اغتنام حلول هذا الشهر الكريم، وأَنْ يُشَمِّرُوا عن سَاعِدِ الجدّ، وَيُوَطِّدوا العزم على صيام أيامه وقيام لياليه.

الصيام طريقٌ إلى الجنة

الصيام من أَجَلِّ الأعمال وأفضل الطاعات عند الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: ( قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)(2)، لذلك فقد رغَّب – صلّى الله عليه وسلّم- بالصيام في أحاديث كثيرة، منها: ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ: قال رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ- رضي الله عنه- : أَنَا، قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ- رضي الله عنه-: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه-: أَنَا، قَالَ:  فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ- رضي الله عنه- : أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم-: مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ)  (3) ، وما جاء عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَريِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلانَ الْكَلامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ) (4).

فعلينا أن نحرص على مثل هذه الأعمال الصالحة، وأن نكون أكثرَ حِرْصاً عليها في شهر الصيام؛ لأنها تقودنا إلى جَنّة الرحمن بإذن الله سبحانه وتعالى .

 شهر رمـضان ... شهر العطاء والصدقات

إِنَّ شهر رمضان شهر العطاء، تطهر فيه نفوس الأغنياء من الشّح والبُخل ، وتطهر نفوس الفقراء من الحقد والحسد، يعلم الغني أنّ المال مال الله، وهو مُسْتخلف فيه ، يُنفق حيث أمر الله، ويُمسك حيث نهى الله، ويعلم الفقير أنّ الله لم يتركه هَمَلاً ولن يضيع في وسط مجتمع مُسلم يعرف حقّ الله في ماله، ففي شهر رمضان إذكاء لروح التعاطف والتكافل والتعاون في بلادنا المباركة.

إِنّ الصدقة عمل جميل، يتقرّب به المؤمن إلى الله عزَّ وجلَّ، كما قال سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(5)، وهي فريضة فرضها الله على القادرين، كما قال رسولنا - صلّى الله عليه وسلّم- لِمُعاذ -رضي الله عنه- حين أرسله إلى اليمن: ( ...أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)(6)، كما ورد أن الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم- قال: (حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوْا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)(7)، لذلك فإن كثيراً من المسلمين يغتنمون حلول هذا الشهر المبارك لإخراج زكاة أموالهم فيه، رغبة في تحصيل الأجر العظيم والثواب الكبير.

تنبيهات رمضانية

ننصح الأخوة الصائمين بضرورة الابتعاد عن الأخطاء المُنتشرة بين بعض المسلمين خلال هذا الشهر الكريم، ومنها:-

- الإسراف الشديد في الطعام والشراب وخاصة وقت الإفطار، حيث تقوم بعض الأُسَرِ بإعداد أطباق عديدة تزيد عن الحاجة المُقررة ، بينما هناك أُسَرٌ لا تجدُ حاجتها الأساسية .

-الازدحام الشديد في الأسواق على السّلع الغذائية، مِمّا يتنافى مع مقاصد هذا الشهر الفضيل، فشهر رمضان شهر عبادة وليس شهرَ أكل وشرب. 

-سهر بعض الشباب حتى الفجر في الأماكن العامة والشوارع والمقاهي فيما لا فائدة فيه، والنوم طيلة النهار، مِمّا يُفقد هؤلاء فرصة يجب اغتنامها وهي المحافظة على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن وقيام الليل.

- حرص البعض على أداء فريضة الصيام وترك فريضة الصلاة، فمن المعلوم أنّ الصلاة هي أول فريضة فرضها الله على العباد ، وآخر وَصِيّة وَصّى بها الحبيب – صلّى الله عليه وسلّم – أُمّته، كما أنها أوّل ما يُحَاسَبُ عليه العبد يوم القيامة، لذلك يجب الحرص على أداء جميع أركان ديننا الإسلامي الحنيف.

- مُتابعة المُسلسلات والأفلام الهابطة والفوازير والبرامج التافهة طيلة الليل، مِمّا يحرم المسلم من تلاوة القرآن وقيام الليل وصلاة الفجر وفعل الطاعات، بل ويكون سبباً في ارتكاب المعاصي والآثام.

- ترك صلاة الجماعة في المساجد، فصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وَسُوقه خمساً وعشرين ضِعْفاً، فما بَالُكَ إذا كانت الصلاة في  شهر رمضان الذي تُضاعف فيه الحسنات .

فضل صلاة الجماعة 

 لقد شجَّع الإسلام على صلاة الجماعة، وحثَّ عليها، ورغَّب في المُحافظة على أدائها، حيث وردت أحاديث نبوية تُبين ذلك، منها قوله – صلّى الله عليه وسلّم -: "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَل الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ ما لَم يُحْدِث، تَقُول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ "(8)، وكذلك قوله – صلّى الله عليه وسلّم – أيضا: " مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِى جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" (9)؛  لذلك يجب عليك أخي المسلم  أن تحرص كلّ الحرص على أداء الصلوات جماعة في المسجد.

 يا باغي الخير أقبل

إِنّ شهر رمضان شهر الخيرات والبركات، كيف لا؟ والمنادي يُنَادي كما جاء في الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلكَ كُلّ لَيْلَةٍ)(10).

اللهمّ إني صائم

إِنّ شهر رمضان فيه تربية للنفس والروح ، حيث يبتعد الصائم عن كلّ ما يُفسد الصيام من لغو ورفث وشتمٍ، كما جاء في الحديث الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ ، فَلْتَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ ) (11).

 رسولنا  – صلّى الله عليه وسلّم –أجود الناس بالخير 

شهر رمضان المبارك شهر الجود والكرم والإنفاق،  ورسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – عاش في مجتمع مُحِبٍّ للجودِ والكرم ، فقد كان – عليه الصلاة والسلام- أجود الناس وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، كما جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: (كَانَ النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ بالخيرِ،وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حينَ يلقاهُ جبريل)(12)، وقد حثَّ  نبينا – صلّى الله عليه وسلّم – المسلمين على الجود والكرم في هذا الشهر العظيم، لما جاء في الحديث الشريف عَنْ
زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئٌ)( 13) .

هنيئاً لمن أدرك رمضان ، وشمَّرَ عن ساعد الجدّ، واغتنم حلول هذا الشهر المبارك في طاعة الله ورضوانه وعمل الصالحات واجتناب المنهيات.

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه البخاري                

2- أخرجه البخاري    

3- أخرجه مسلم       

4- أخرجه أحمد

5- سورة التوبة الآية(103)

6- أخرجه مسلم       

7- أخرجه الطبراني   

8- أخرجه البخاري    

9- أخرجه الترمذي    

10- أخرجه الترمذي  

11- أخرجه ابن خزيمة

12- أخرجه البخاري  

13- أخرجه الترمذي