2022-05-28

صدقـة الفطـر ... والعيــد


2022-04-29

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(1).

ذكر الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن في تفسير الآيتين السّابقتين ( ... وروى عن أبي سعيد الخُدري وابن عمر: أنّ ذلك في صدقة الفطر ، وصلاة العيد ، وكذلك قال أبو العالية ، وقال: إِنّ أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ، ومن سِقاية الماء، وروى كَثير بن عبد الله عن أبيه عن جَدِّه، عن النبي – صلّى الله عليه وسلّم- في قوله تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} قال: " أخرج زكاة الفطر"، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}قال: " صلاة العيد" ، وقال ابن عباس والضحاك : {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} في طريق المُصَلَّى {فَصَلَّى} صلاة العيد )(2) .

 ها هو  شهر رمضان المبارك قَدْ أَوْشَكَ على الرّحيل، ومضت أيامه، فما أشبه اليوم بالبارحة، فقد كُنَّا في شَوْقٍ للقائه، نتحَرَّى رؤية هلاله، ونتلقى التهاني بِمَقْدَمِه، وها نحن في آخر ساعاته، نتهيّأ لِوَدَاعه، وهذه سُنّة الله في خلقه، أيام تنقضي، وأعوام تنتهي، إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها وهو خير الوارثين.

فأحسنوا توديعه بالصّدقة والزكاة كما أحسنتم استقباله بالصيام والقيام.

زكاة الفطر

من المعلوم أنّ زكاة الفطر فُرضتْ في السنة الثانية من الهجرة في رمضان قبل العيد بيومين، كما جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (فَرضَ رسولُ اللهِ -  صلّى الله عليه وسلّم -  زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ)(3).

* حكمة مشروعيتها: شُرعت زكاة الفطر لتطهير الصائم مِمَّا يكون قد وقع فيه من اللّغو وفحش القول ونحو ذلك مما لا يليق بالصائم ولا يُفسد صيامه، ولإغناء الفقراء والمحتاجين عن السؤال في يوم العيد.الذي هو يوم بهجة وسرور، كي يعمَّ  الفرح والسرور جميع أبناء  المسلمين، فلا يكون بينهم في هذا اليوم بَائِسٌ أو مسكين يُؤَرِّقُه همّ قوته وقوت عياله.

* شروط وجوبها: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم قادرٍ على إخراجها سواء أكان صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أُنثى، حُرًّا أم عبداً، كما جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - : (أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلّى الله عليه وسلّم - فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِنْ رَمَضَانَ على النَّاسِ صَاعًا مِن تَمرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أو عَبدٍ، ذَكَرٍ أو أُنثَى مِنَ المُسلِمِينَ ) (4 ).

* وقتها: ووقت وجوبها إدراك جزء من رمضان، وجزء من شوال، ويجوز إخراجها من أول شهر رمضان، وَيُسْتحبّ تأخيرها إلى أواخر شهر رمضان المبارك، والأفضل إخراجها قبل صلاة العيد ليتمكن الفقير من شراء ما يحتاجه في العيد لإدخال السرور على عائلته، لقوله – عليه الصلاة و السلام- : (أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَوَافِ في هَذَا الْيَوْمِ)(5).

* الأصناف التي تخرج منها : والأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر هي الأصناف التي تكون طعام أكثر أهل البلد، لما رُوي عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ   صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ،أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ )(6).

* مقدارها: ومقدار زكاة الفطر هو صاع من غالب قُوت أهل البلد، وهو أربع حفنات بِكَفَّين مُعْتدلين مُنْضَمَّين، وَيُقَدّر الصاع بحوالي (2176) جراماً، وقد جَوَّز الإمام أبو حنيفة إخراج قيمتها نقداً لأنها أنفع للفقراء في قضاء حوائجهم.

*هل تجب زكاة الفطر على الفقير ؟ يُخرج الفقير زكاة الفطر مِمَّا يفضل عن قُوت يومه وليلته، لأنَّ الأحاديث السابقة لم تَسْتَثْنِ الفقير كما جاء في الحديث الشريف أنَّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ،حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى )(7)، أي أكثر مِمّا أخرجه في الزكاة لأنه بوصفه فقيراً سَيَتَلَقَّى أكثر مِمَّا أخرج.

وبهذه الفريضة النبيلة تَتَدَرّب النفوس-غنيُّها وفقيرها- على السّخاء والبذل والتعاطف، وهي أمور ضرورية لِرُقِيّ المجتمع في مشاعره وترابطه وتعاونه على الخير العام.

الجوائز والمكافآت في العيد

لقد وعد الله من صام رمضان وقام لياليه بجوائز سَخِيَّة يقبضها الصائمون في عيدِ فطرهم فرحين مُستبشرين ، لِمَا رُوي عن سعد بن أوس الأنصاري عن أبيه – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - : (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الطُّرُقِ ، فَنَادَوْا : اغْدُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَمُنُّ بِالْخَيْرِ ، ثُمَّ يُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ ، لَقَدْ أُمِرْتُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَقُمْتُمْ ، وَأُمِرْتُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فَصُمْتُمْ ، وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ ، فَإِذَا صَلَّوْا ، نَادَى مُنَادٍ : أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ ، فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ إِلَى رِحَالِكُمْ ، فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ ، وَيُسَمََّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَائِزَةِ ) (8).

 وفي هذا اليوم، يظهر الناس وقلوبهم مُتَحَابَّة ، وصدورهم مُتَصافية ، وأيديهم مُتَصافحة ، فتبدو  أخوة المسلمين كأقوى رابطة  وأوثق صِلَة ، ومن المعلوم أنّ العيد في الإسلام مناسبة طَيّبة لجمع الشمل وصفاء القلوب ، وبرّ الوالدين واجتماع الإخوة، ووسيلة للتعارف وصلة الأرحام.

إِنّ العيد مُناسبة مُباركة ، يجمع الله بها شمل المؤمنين، حيث يتقابلون في المساجد والمُصَلَّيات والأسواق والطُّرقات فيصافح كلٌ منهم الآخر ، ويتبادلون التهاني والتبريكات، ومن السُــنـَّة قَوْلُ المسلم لأخيه المسلم يوم العيد مهنئاً: (تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ)(9).

العيد ... وصلة الأرحام

لقد اهتم ديننا الإسلاميّ بصلة الأرحام وحثَّ عليها، وَأَكَّد على ضرورة المُحافظة عليها والعناية بأمرها، حتى جعلها مرتبة مُتقدِّمة من مراتب الإيمان بجانب بِِرِّ الوالدين، وجاءت الوصية بها أيضاً بعد تقوى الله عزَّوَجَلَّ، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَآءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(10)، كما حثَّت السُّنَّة النبوية الشريفة  على فضل صِلَةِ الأرحام وَحُسْنِ الاستمساك بها،  لِمَا يترتب على ذلك من سعة في الرزق وطول في العمر وسعادة في الدنيا ونعيم في الآخرة.

وقد بيّن رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – أنّ صِلَةَ الرّحم ليست قاصرة على الأقرباء الذين يصلونك ويزورونك ، فهذه تُعَدُّ مُكافأةً لهم على زياراتهم ،  ولكنّ الصِّلَة الحقيقية الكاملة ينبغي أن تشمل جميع الأقرباء حتى القاطع منهم، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-  أَنَّ رَجُلا قَالَ:   (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً، أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)(11)، حيث يُؤَكِّد – عليه الصلاة والسلام – في الحديث السابق  أنّ صلة الرَّحم تعني أن تصل جميع الأرحام حتى الرّحم التي قطعتك ، أو قصّرت معك، أو أساءت إليك، فليس الواصل بالمُكافئ .

لذلك يجب على المسلمين أن يصلوا أرحامهم ، وأن يتناسوا زلاتهم ، وما قصة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – مع قريبه مسطح بن أثاثة عَنَّا ببعيد، فقد كان أبو بكر – رضي الله عنه- يُنفق على مسطح بن أثاثة لمسكنته وقرابته، فلمّا وقع أَمْرُ الإفك وقال فيه مسطحٌ ما قال ، حلف أبو بكر أَلاَّ يُنفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (12)، فقال أبو بكر: والله إني لأحبُّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى الإنفاق على مسطح كما كان يُنفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

وبهذه المناسبة الكريمة يطيب لنا أن نتقدّم بأسمى آيات التهاني والتبريكات من أبناء شعبنا الفلسطيني ومن الأمتين العربية والإسلامية بحلول عيد الفطر المبارك، سائلين الله العليّ القدير أن يجعله عيدَ خيرٍ وبركة على أبناء شعبنا المُرابط والأمتين العربية والإسلامية، كما نسأله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المُباركة أن يحفظ شعبنا ومقدساتنا وَقُدْسنا من كلّ سوء ، وأن يجمع شملنا ويُوَحِّد كلمتنا، إنّه سميع قريب.

تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمُ الطّاعات ، وكلّ عام وأنتم بخير

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- سورة الأعلى الآية (14 - 15)           

2- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20/21           

3- أخرجه ابن ماجه

4- أخرجه مسلم                                     

5- أخرجه الدارقطني           

6- أخرجه مسلم

7- أخرجه أبو داود                

8-ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد       

9- أخرجه الطبراني

10- سورة النساء الآية (1)                       

11- أخرجه مسلم                                   

12- سورة النور الآية (22)