2022-05-28

ومضى شهر رمضان المبارك


2022-05-06

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وَسَارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

وَدَّعَ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر رمضان المبارك ، شهر الخير والبركة بعد أن وَفَّقهم الله سبحانه وتعالى لطاعته،  حيث صاموا نهاره ، وقاموا ليله ، طاعة لله سبحانه وتعالى ، وكلّهم ثقة في الله سبحانه وتعالى أن يتقبّل صيامهم وقيامهم، وأن يكتبهم من عُتقاء هذا الشهر الفضيل.

لقد استقبل المسلمون قبل أيام عيد الفطر المبارك، والعيد مناسبة طيبة ومباركة يجمع الله بها شَمْلَ المؤمنين وَيُؤَلِّف بها بين قلوبهم، حيث يتقابلون في المساجد والمُصَلَّيات والأسواق والطُرقات فيصافح كلٌ منهم الآخر ويتبادلون التهاني والتبريكات، وبهذه المناسبة فإننا نسأله سبحانه وتعالى أن يجمع شملنا ويُوَحِّد كلمتنا إنه سميع قريب .

ففي يوم العيد يتجلَّى الله على عباده ، فيغفر لهم ما تقدّم من ذنوبهم ، ويرحمهم وَيُوَفِّيهم أجرهم بغير حساب، وفيه يظهر الناس وقلوبهم مُتَحَابَّة وَصُدورهم مُتَصافية وأيديهم مُتَصافحة ، فتبدو  أُخُوّة المسلمين كأقوى رابطة وأوثق صلة ، ومن المعلوم أنّ العيد في الإسلام مناسبة طيبة لجمع الشمل وصفاء القلوب ، وبرّ الوالدين واجتماع الإخوة، ووسيلة للتعارف وصلة الأرحام.

ورحل شهــر الصيــام

لقد رحل شهر رمضان إمَّا شاهداً  لنا أو علينا، فقد انفضَّ موسم الخير في شهر الصوم، موسم مُضَاعفة الأجر والثواب ، رَبِحَ فيه مَنْ ربح وَخَسِرَ فيه مَنْ خَسِر ، ونسأل الله أن يكون شاهداً وشفيعاً  لنا، مضى وانقضى شهر الخيرات والبركات، شهر رمضان المبارك، والناس قسمان: منهم من أطاع ربه وخاف يوم الوعيد، فهنيئاً له ، وله عند الله المزيد ، ومنهم مَنْ عصى ربَّه ، وقَصَّر في طاعته ، ونَسِيَ يوم الوعيد {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} (1)، هذا الصنف من الناس ندعو الله لهم بالهداية والرشاد ، والتوبة الصادقة قبل الممات: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بقَلْبٍ سَلِيمٍ}(2).

لقد انقضى رمضان، ككلِّ شيء في هذه الدنيا ينقضي ويزول، كلُّ جَمْعٍ إلى شَتات، وكلُّ حي إِلى مَمَات، وكلُّ شيء في هذه الدنيا إلى زوال ، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(3)،  فهنيئاً لمن أخلص في تجارته مع مولاه في هذا الشهر العظيم ، وأحسن المعاملة مع خلقه،  وضاعف الله له الثواب والأجر العظيم بِجَنَّةٍ عرضها السموات والأرض أُعِدّت للمتقين، الذين يُنفقون في السّراء والضّراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، فهنيئاً لمن صام وقام هذا الشهر المبارك إيماناً واحتساباً، فغفر الله له ما تقدّم من ذنبه، ورحم الله القائل:

غَداً تُوَفَّى النفوس ما كَسَبتْ     ويحصد الزّارعون مَا زَرَعُوا

إِنْ أحسنوا فقد أحسنوا لأَنْفُسِهم      وإِنْ أساؤوا فبئسَ مَا صَنَعُوا

نداء لمن قَصَّر في رمضان

نقول لِكلِّ من فَرَّطَ أو قَصَّر أو ضاع منه شهر رمضان : لا تَيْأَسْ من روح الله سبحانه وتعالى ولا تقنطْ من رحمته ، فربّك الغفور ذو الرحمة لِكلِّ من تاب إليه وأناب ، فارفع يديك إليه وتضرّع بين يديه، وأكثر من الاستغفار والدعاء، فإن الله غَفّارٌ لِمَن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى  .

وعلينا أن نتذكر دائماً قول الله تعالى:{لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (4)، وقوله سبحانه وتعالى أيضا: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}(5)، فأين هذا من أولئك الذين ينسون الله سائر العام، ولا يذكرونه إلا في شهر رمضان ، ويعصونه ويكفرون نِعَمه، ويجحدون فضله أحَدَ عشر شهراً، ثم يَمُنُّونَ على ربهم أن عبدوه شهراً واحداً، هذا جهلٌ وتفريط، جهلٌ بحق الله على عباده، وتفريط بواجبهم نحوه سبحانه وتعالى.

صيام الست من شوال

اعلم أخي المسلم بأنّ العبادة والطاعة لا تنقطع وتنتهي بانتهاء شهر رمضان المبارك، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإنّ المؤمن لن ينقطع عن عبادة الصيام ، فالصيام لا يزال مشروعاً، فقد روى أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال : ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)(6) ،وجاء تفسير ذلك في حديث آخر رُوِيَ عن ثوبان ، أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - قال: ( صِيَامُ شَهْرٍ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ ، وَسِتَّة أَيَّامٍ بَعْدَهُنَّ بِشَهْرَيْنِ ، فَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ ) (7)، يعني – شهر رمضان وستة أيام بعده - ، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين، أي: صام السنة كلّها، وإذا استمرَّ على ذلك في كلّ سنة فقد صام الدّهر كله، وقد تعدَّدت آراء العلماء في ذلك، فبعضهم يقول: يتبعها في اليوم الثاني للعيد، والبعض قال: المُهِم أن تكون في شوال، وليس من الضروري أن يصومها ستاً مُتتابعة، وَيُمكنه صيامها متفرقة .

ومن فضل الله علينا أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم -  قد شرع صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر لحديث أبي ذر رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم -  قال : (يَا أَبَا ذَرٍّ  إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ) (8)، وكذلك صيام يوم عرفة، وصيام يومي الاثنين والخميس، وصيام شهر الله المُحَرّم.

نصائح وتوجيهـات

لقد اعتاد كثير من المسلمين أن يَلْزَموا جانب التقوى في شهر رمضان المبارك، ويرتدعوا عن المعاصي والآثام، ويُواظبوا على الصلاة وشهود الجماعات، ولكنّ هذه الظاهرة الإيمانية وللأسف تنعدم وتتلاشى عند البعض بِمُجَرّد انقضاء هذا الشهر المبارك، فقد ورد أنّ بعض الصالحين سُئِلَ عن رأيه فيمن يتعبدون في شهر رمضان ثم يعودون بعده إلى العصيان ؟ فقال: هم بِئْس القوم، لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، وذلك دليل على انطماس البصيرة واستحكام الغفلة في قلوبهم وجهلهم بعذاب الله، وأمنهم مَكْرَه ولا يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقون .

لذلك فإننا ننصح أحِبَّاءنا وإخوتنا إلى ضرورة الابتعاد عن الأخطاء المنتشرة بين  بعض المسلمين بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، ومنها:-

- هجر تلاوة القرآن الكريم، فمن المعلوم أننا كنَّا نتسابق في الإكثار من قراءة القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك ، لذلك يجب علينا المُواظبة على  قراءة القرآن الكريم وَتَدَبُّره ؛ لأنه حبل الله المتين  وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم.

- ترك الصلاة ومعاودة المعاصي بعد رمضان، فهذا لا يجوز، فالمسلم يجب أن يكون ربانياً وليس رمضانياً، وعبادة الله واجبة في كل وقت ,{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}(9)، فالواجب علينا أن نُواظب على طاعة الله ورسوله في كل وقت، فإنّ الله يُحِبّ من العمل أدومه وإنْ قَلَّ، فإياك يا أخي أن تنقطع عن العبادة بعد رمضان، فهذا ما لا ينبغي، أما أن يكون لك في رمضان حَظٌ من العبادة والتلاوة، ثم بعد ذلك تهجر العبادة والمصحف إلى رمضان القادم، فهذا ما لا يليق بمسلم.

- هجر المساجد بعد رمضان، فهذا خطأ كبير ، فَرَبُّ رمضان هو رَبُّ شوال ، ومن المُؤسف أن يحصل عقب رمضان لكثير من المسلمين ضعفٌ في الخير وَشُغْلٌ عن الطاعة وانصرافٌ لِلَّعب والراحة، فلقد وهنت الهِمَم وفترت العزائم وقلَّ رُوّاد المساجد، وليعلم الجميع بأنّ الطاعات والمُسَارعة فيها ليست مقصورة على رمضان ومواسم الخير فحسب، بل عامة في جميع الأوقات، لذلك يجب على المسلمين أن يحرصوا على صلاة الجماعة في المساجد في كل زمان ومكان.

-ترك أعمال الخير والبرّ وفعل الخيرات  بعد شهر رمضان ، فينبغي عليك أخي المسلم أن تحرص على الاستمرار في أعمال البرّ والخير وأن تكون دائماً مِمّن يُسَارعون إلى الخيرات ويدعون غيرهم إلى ذلك، ولئن انتهت صدقة الفطر فهناك أبواب كثيرة للصدقة والتطوع، فالأعمال الصالحة مشروعة في كل زمان ومكان، ومن المعلوم أنّ المجتمع الإسلامي مجتمع قوي بِتَمَاسُك أفراده وتعاونهم على البرّ والتقوى، فالغنيّ يعطف على الفقير والقويّ يُساعد الضعيف فهم كالجسد الواحد، لذلك فإننا نُذَكِّر أحباءنا بأنَّ أبواب الخير كثيرة والحمد لله، منها : تَبَسُّمك في وجه أخيك صدقة ، وَإِمَاطَة الأذى عن الطريق صدقة، واسقاؤك الماء على الماء صدقة، وإصلاحك بين المتخاصمين صدقة ، ورسم البسمة على الشفاه المحرومة صدقة، ومن أفعال الخير مُسَاعدة المحتاج وإغاثة الملهوف.

 نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعيد علينا  شهر رمضان القادم باليُمْنِ والخير والبركات.

وصلّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

الهوامش :

1- سور ق الآية (30)                               

2- سورة الشعراء الآية (88-89)

3- سورة القصص  الآية (88)     

4- سورة إبراهيم الآية (7)       

5- سورة البقرة الآية (152)     

6 - أخرجه مسلم     

7-  أخرجه الدارمي                

8- أخرجه الترمذي 

9- سورة الذاريات الآية (56)