2022-07-06

فضــل الصحــابة – رضي الله عنهم أجمعين -


2022-05-20

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثًا- ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِم السِّمَنُ )(1 ).

هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه،  في كتاب فضائل أصحاب النبي – صلّى الله عليه وسلّم - ، باب فضائل أصحاب النبي – صلّى الله عليه وسلّم -.

قال الإمام ابن حجر – رحمه الله – في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري في شرحه للحديث السابق ما نَصّه : (... والمراد بقرن النبي – صلّى الله عليه وسلّم- في هذا الحديث الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين -، ثم الذين يلونهم، أي القرن الذي بعدهم وهم التابعين، ثم الذين يلونهم ، وهم أتباع التابعين، فهذه القرون الثلاثة المُفَضَّلة، وأفضلها قرن الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين-، وليس المقصود بالقرن هنا ما يُعرَّف اصطلاحاً بأنه مائة عام، وإنما المُراد المُدَّة من الزمان، فقرن النبي – صلّى الله عليه وسلّم- ينتهي بوفاة أبي الطُفَيْل- رضي الله عنه – سنة مائة وعشرين للهجرة، وأما قرن التابعين  فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين،وأمّا الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحواً من خمسين، فظهر بذلك أنّ مُدَّة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كلّ زمان والله أعلم)( 2).

فضل الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين - في القرآن الكريم

لقد ذكر القرآن الكريم فضل الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين – في عددٍ من الآيات القرآنية، منها :

* قول الله سبحانه وتعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (3).   

  * وقوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (4) .

* وقوله سبحانه وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(5).

* وقوله سبحانه وتعالى أيضاً : {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (6 ).

فضل الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين - في السُّنَّة النبوية

كما ذكرت السُّنَّة النبوية الشريفة فضل الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين- في عددٍ من الأحاديث النبوية، منها:

* أخرج الإمام الترمذي في سُننه، في كتاب المناقب، باب فيمن سَبَّ أصحاب النبي – صلّى الله عليه وسلّم -،  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفّلٍ- رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي،  لا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ ،وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ) ( 7).

* كما أخرج الإمام الترمذي في سُننه، في كتاب المناقب، باب في فضل من بايع تحت الشجرة، عَنْ جَابِرٍ – رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) (8) .

*  أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي – صلّى الله عليه وسلّم -، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه-  قَالَ : قَالَ النبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ) ( 9).

المبشرون بالجنة من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين -

 من المعلوم أنّ عدد المُبَشّرين بالجَنَّة من الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- كثير، ولكنّ أبرزهم هؤلاء العشرة الذين جاء ذكرهم في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الترمذي في سُننه في كتاب المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عوف الزُّهري – رضي الله عنه- ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ – رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ ) ( 10).

ورحم الله القائل:

لِلْمُصْطَفى خَيْرُ صَحْبٍ نُصَّ أنَّهُـمُ         في جَنَّةِ الخُلْدِ نَصًّا زادهم شرَفَا

هم طلحةُ وابنُ عوفٍ والزبيرُ ومَعْ        أبي عـبيدةَ والـسَّعـدانِ والخُـلَفَا

فضائل بعض الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين -

لقد بَيَّن رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – فضلَ عددٍ من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين- كما جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الترمذي في سُننه في كتاب المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، وأبي عبيدة بن الجراح – رضي الله عنهم - ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بن عفّان، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بن كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ) ( 11).

هؤلاء هم صحابة رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَم – الذين نُحِبّهم ونُجِلّهم ، ونحترمهم ونقدرهم ، الذين أشاد الله بهم في قُرآنه ، وأثنى عليهم في كتابه ، ومدحهم في تنزيله ، والذين نهى رسول الله
– صلّى الله عليه وسلّم – عن الإساءة إليهم ، وحذّر من التّعرض لهم بسوء .

إِنَّ صحابة رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَم – هم الجيل المُبَارك الذين قام على أكتافهم هذا الدين، فقد بذلوا أموالهم وأرواحهم وقدَّموا أولادهم في سبيل الله تبارك وتعالى ، حتى انتشر الإسلام في أرجاء المعمورة، فقد أخرج الإمام أحمد في مُسْنده عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال:  (إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ )(12).

ومِمَّا يُؤسف له أنّ بعض الناس يتطاولون في هذه الأيام على الصحابة الكرام ويقولون: إِنهم رجال ونحن رجال، ونحن نقول لهم: الحديد معدن، والذهب معدن، وشتَّان ما بين الذهب والحديد، فعلينا أن نعرف للصحابة الكرام فضلهم، كما قال الطَّحَاوي -رحمه الله تعالى-(وَنُحِبُّ أصحاب رسول الله
-صلّى الله عليه وسلّم- و لا نُفَرِّط في حُبِّ أَحَدٍ منهم ، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم ، ونبغض من يُبغضهم ، وبغير الخير يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير، وَحُبُّهم دين وإيمان وإحسان، وَبُغْضهم كفرٌ ونفاق وطغيان)(13)

وفي نهاية المقال نُرَدِّد قول الله سبحانه وتعالى : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )(14).

 اللهُمّ ارضَ عن أصحاب نبيّنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم -  أجمعين، واحشرنا وإيّاهم في زُمْرَةِ سيّد المرسلين ، واسقنا وإيّاهم من حوض نبيّك الكريم شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً يا ربّ العالمين .

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

 الهوامش :

1- أخرجه البخاري

2- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني 7/8      

3- سورة الفتح الآية (29)

4- سورة الفتح الآية (18)

5-سورة التوبة الآية( 100)                                           

6-سورة الحشر الآيتان( 8-9)             

7- أخرجه الترمذي                               

8- أخرجه الترمذي                               

9- أخرجه البخاري                                

10- أخرجه الترمذي

11- أخرجه الترمذي                    

12- أخرجه أحمد                   

13-شرح العقيدة الطحاوية ص 528                          

14- سورة الحشر الآية(10)