2022-07-06

المسجد الأقصى والقدس ... المكانة والأمانة


2022-05-27

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ-، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(1).

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكّة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكّة والمدينة.

تحتل مدينة القدس مكانة مُمَيزة في نفوس العرب والمسلمين، حيث تهفو إليها النفوس وتُشَدّ إليها الرّحال من كل أنحاء المعمورة ، ففيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين ، وفيها التاريخ الإسلامي العريق الذي يزرع نفسه بقوة في كل شارع من شوارعها، وكل حجر من حجارتها ، وكل أثرٍ من آثارها، وقد ظهرت مكانة القدس عبر التاريخ من خلال حرص المسلمين على فتحها وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-، ثم قيامهم بتحريرها بقيادة القائد/ صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله-، كما عملوا على صيانة معالمها والمحافظة عليها .

 إِنّ مدينة القدس بقعة مباركة، بل هي من أقدس البلاد وأشرفها، فهي أرض النبوات، وتاريخها مرتبط بِسِيَرِ الرّسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام-،وهي القبلة الأولى، وَمُنتهى الإسراء وَمُنطلق المعراج إلى السماء، وأرض المحشر والمنشر، وفيها أَمَّ الرسول –صلّى الله عليه وسلّم – إخوانه الأنبياء والمرسلين
– عليهم الصلاة والسلام- في المسجد الأقصى المبارك، فهي عزيزة علينا، ديناً ودنيا ، قديماً وحديثاً، ولن نُفرّط فيها أبداً مهما كانت المُغريات، ومهما عظمت التهديدات.

مكانة المسجد الأقصى المبارك

لقد ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام بمكة المكرمة  والمسجد الأقصى بمدينة القدس  في الآية الأولى التي افْتُتِحَتْ بها سورة الإسراء،{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(2)، وذلك حتى لا يفصل المسلم بين هذين المسجدين ولا يُفرِّط في أحدهما، فإنه إذا فَرَّّط في أحدهما أوشك أن يُفرِّط في الآخر، والمسجد الأقصى المبارك ثاني مسجد وُضِع لعبادة الله في الأرض كما ورد عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه-   قال: (قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَيُّ مَسْجدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ : اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ : قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: اَلْمَسجِدُ الأقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيِه) (3)،كما أنه أحدُ المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إليها كما جاء في الحديث أَنَّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال : (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)، فهذا الرَّبْطُ لم يكن عبثاً ولكنه إشارة وتنبيه لهذه الأُمّة بضرورة المُـحافظة على المسجد الأقصى المبارك لِمَا لَهُ من القدسية عند الله سبحانه وتعالى.

المقدسيون ... قلب فلسطين النابض

مازال أهلنا في المدينة المقدسة مع أشقائهم من فلسطيني الداخل  يذودون عن المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة صباح مساء، وإنَّ ما يقوم به  أهلنا المرابطين من دفاع عن الأقصى والقدس والمقدسات يستحق التقدير ، كيف لا؟ وهم يقفون سَدَّا منيعاً في وجه كل الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك ومواجهة مُخَطَّطَات التهويد للمدينة المقدسة، وما زالت انتصاراتهم تتوالى على إجراءات الاحتلال ومخططاته وغطرسته، ومنعه من تنفيذها بقوة إيمانهم بأحقيتهم في المدينة المقدسة والمقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك ، وإننا نتوجه بالتحية والتقدير إلى أهلنا في مدينة القدس وفلسطينيي الداخل على دورهم المُمَيّز في الدفاع عن مسرى النبي- صلّى الله عليه وسلّم – والمدينة المقدسة.

القدس في العيون ... نفنى ولا تهون

 تشهد مدينة القدس والمسجد الأقصى والمقدسات في هذه الأيام ازدياد وتيرة الهجمة الإسرائيلية الشّرسة، فمدينة القدس تتعرض في هذه الأيام لِمِحْنَةٍ من أَشَدِّ المِحَنِ وأخطرها، فالمؤسسات فيها تُغلق، والمرجعيات الشرعية والشخصيات الوطنية تُلاحق، والبيوت تُهدم، والأرض تُنهب، والمقابر تُدَمّر، والمناهج التعليمية تُزَوَّر، والضرائب تُفرض، والهويات تُسحب، وكلّ مَعْلَمٍ عربي يتعرض لِخَطِر الإبادة والتهويد، وفي الفترة الأخيرة أصبحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُجَاهِر في تهويدها للمدينة المُـقدَّسة بِطَمْس مَعَالِمِها وتهجير سُكّانها، فما يحدث في هذه الأيام من جرائم في أحياء المدينة المُقدسة، مثل: حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية والبلدة القديمة وجبل المكبر وغيرها ليس عنّا ببعيد، والعالم وللأسف يُغلق عينيه، وَيَصُمُّ أُذنيه عما يجري في مدينة القدس، وما يجري في المسجد الأقصى المبارك يُعَدُّ استباحة مُبرمجة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف تجفيف الوجود الإسلامي المقدسي في المسجد الأقصى، من خلال منع المصلين والمرابطين من الوصول إليه، ومُخَطَّطاتهم لفرض السيادة الإسرائيلية عليه، وكذلك الحفريات الإسرائيلية المُدَمِّرة والأنفاق المُتَعَدِّدَة التي تَسَبَّبَتْ في تقويض بُنيانه وزعزعة أركانه.

إِنَّ الأوضاع الحالية التي يمرّ بها المسجد الأقصى المبارك قد وصلت إلى مرحلة خطيرة من خلال تكثيف اقتحامات المستوطنين له؛ تمهيداً لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية بالتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك تمهيدًا لإقامة ما يُسَمَّى بالهيكل المزعوم على أنقاضه – لا سمح الله- ، وما قرار محكمة الاحتلال الإسرائيلي السماح للمستوطنين بأداء طقوس تلمودية علنية أثناء اقتحامهم للمسجد الأقصى المبارك، وكذلك سماح سلطات الاحتلال للمستوطنين بالقيام بما يُسَمَّى مسيرة الأعلام في مدينة القدس واقتحام المسجد الأقصى المبارك يوم الأحد القادم 29/5/2022م عنا ببعيد !.

إننا نُؤَكِّد على أنَّ جميع المحاولات التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفرض أمرٍ واقعٍ في المسجد الأقصى المبارك لن تنجح إِنْ شاء الله في تغيير الحقائق وطمس المعالم، وما إفْشال المُصلين والمُرابطين والمُعتكفين لمحاولات ذبح القرابين في ساحات المسجد الأقصى، وكذلك إفشالهم لمسيرة الأعلام، إلا دليل واضح على تمسّك شعبنا الفلسطيني بحقّه في القدس والأقصى والمقدسات، فمدينة القدس ستبقى إسلامية الوجه، عربية التاريخ، فلسطينية الهوية، ولن يسلبها الاحتلال وجهها وتاريخها وهويتها مهما أوغل في الإجرام وتزييف الحقائق.

الدّفاع عن القدس والأقصى ... مسئولية الأمة كلّها

 إِنّ مدينة القدس  بحاجة إلى خُطوات فعلية تُسهم في المحافظة على عروبتها وإسلاميتها ودعم صمود أهلها، فمدينة القدس احْتُلّتْ عبر التاريخ مرات عديدة ولكنها لفظت المحتلين وستلفظ هذا المحتل إن شاء الله، هذه المدينة المقدسة في أَمَسِّ الحاجة إلى أيِّ جُهْدٍ يُميِطُ اللّثام عما يجري من أعمال بشعة بحقها وتراثها وأهلها، والتي تُشَكِّل إهانة للإنسانية ووصمة عار في جبينها. 

إِنّ مسئولية الدفاع عن مدينة القدس والمقدسات ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذّود عنها وحمايتها، إنما  هي مسئولية العرب والمسلمين جميعاً ، لذلك فإننا نُناشد أبناء الأمتين العربية والإسلامية أَلاَّ ينسوا مسرى نبيهم محمد- صلّى الله عليه وسلّم- وأهله، وأن يعملوا جاهدين للمُحافظة على هذه المدينة المُباركة، فالواجب عليهم دعم أشقّائهم المقدسيين في شَتَّى المجالات كي يبقوا مرابطين ثابتين فوق أرضهم المُباركة؛ لأنَّ المواطن المقدسي هو الذي يُدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات صباح مساء.

فمدينة القدس لا يمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخَطَّط المحتلون الذين يسعون لطمس طابعها العربي الإسلامي، ومحو معالمها التاريخية والحضارية، وتحويلها إلى مدينة يهودية.

فالقدس تُناديكم اليوم؛ للتأكيد على أنها عاصمة دولة فلسطين، ولتطبيق العدالة في أعدل قضايا الدنيا، قضية القدس وفلسطين وشعب فلسطين، وقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

إِنّ القدس تقول لكم: سوف يتراجع الظلم، وينهزم الأعداء، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنّ الفجر آتٍ بإذن الله رغم أعداء شعبنا وأمتنا، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.  

نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحفظ شعبنا والقدس والأقصى والمقدسات وسائر بلاد المسلمين من كلّ سوء

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

1- اخرجه البخاري

2- سورة الإسراء الآية (1)

3- أخرجه الشيخان