2022-10-06

وَأَتِمّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه


2022-06-24

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }(1) .

 جاء في كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير في تفسير الآية السابقة : ({وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي نادِ في الناس بالحج ، داعياً لهم لِحجِّ هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال : يا ربّ وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا ، وقيل على أبي قُبيس، وقال: يا أيها الناس إِنّ ربكم قد اتّخذ بيتاً فحجّوه، فَيُقال: إِنّ الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض ، وأسمع مَنْ في الأرحام والأصلاب، وأجابه كلّ شيء سَمِعَهُ من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحجّ إلى يوم القيامة، لبيك اللهُمّ لبيك)(2).

على بركة الله بدأت وفود الرحمن تَؤُمُّ بيت الله العتيق، على بركة الله تسير قوافلهم يحذوها الشّوق والإيمان؛ لِتَحْظى ببركات أداء فريضة الحج والطّواف بالكعبة المُشرفة وزيارة مسجد الحبيب – صلّى الله عليه وسلّم -.

فضل الحجّ والعُمْـرة

الحجّ هو الركن الخامس من أركان الإسلام وهو فرض على المُستطيع بدنياً ومالياً مرة واحدة في العُمر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }(3)، وقوله- صلّى الله عليه وسلّم -: ( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )(4)، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الجزاء العظيم لِمَنْ حَجَّ بيته العتيق حَجّاً مبروراً بأن يغفر له ذنوبه، فالحجّ من أفضل العبادات وأجلّ الطّاعات.

كما أَنّ العمرة عبادة عظيمة فيها منافع كثيرة نذكر منها: أنها تَنْفي الفقر والذنوب، فعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ،وَلَيْسَ للْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إلا الْجَنَّةِ)(5)، وَرُوي عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -  قال: (العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةَ)(6).

الحج مؤتمر عالمي

 إِنّ الحجّ مؤتمر عالمي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فتنصهر الأُخوّة الإسلامية وتذوب في حرارتها النّزعات القومية ، وفي الحجّ يتجلّى معنى الوحدة الإيمانية بين المسلمين، فربهم واحد، ونبيهم واحد ، وعملهم واحد، وهدفهم واحد ، فأيّ وحدة أعمق من هذه وأبعد غورا؟، كما تتجلّى المُساواة في أقوى صُوَرها فلا عنصرية ولا عصبية لِلَوْن أو جنس ، هذا المؤتمر العتيد الذي  يتكرّر كلّ عام مرة ويُعْقد في الأرض المباركة بجوار الكعبة تحت شعار " أمة واحدة " كما في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (7) .

 ووحدة المسلمين في الحج تشمل عِدّة مظاهر  يتعايش الناس على ضوئها:

*  وحدة الأصل:  كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}  (8 ) ، وفي الحديث الشريف: (أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، إِلا بِالتَّقْوَى ) (9) .

* وحدة الزمان :  كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ  } (10 )  .

*وحدة المكان: كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ}(11)،وقوله سبحانه وتعالى أيضاً :{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (12).

* وحدة في الشكل والمظهر: تتجلّى في لباس الإحرام المُكَوَّن من إزارٍ ورداءٍ أبيضين هو لباس كلّ الحجيج، استعاضوا به عن لباسهم المُعتاد في حياتهم العادية .

ومن الجدير بالذكر أنّ الحجّ يستمدّ عالميته من عالمية الإسلام الذي جاء رحمة للناس كافة،كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(13)، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ( 14 ) .

شدّ الرّحال إلى الحرمين الشريفين

إننا نعيش في ظِلال  أيام مُباركة من أشهر الحج، وكلّما أقبل موسم الحج اتجهت أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، واشتاقت قلوبهم إلى مهبط الوحي الذي عَمَّ البلاد ، إلى الأرض التي جعلها الله مثابة للناس وَأَمْنا.

*المسجد النبوي في المدينة المنورة:

 المدينة المُنَوّرة  مُهاجر النبي – صلّى الله عليه وسلّم- ومثواه،  وهي من أطهر بقاع الأرض ، ومنها انتشر نور الإسلام وعَمَّ أرجاء المعمورة شرقاً وغرباً، وفيها المسجد النبوي الشريف الذي هو أحد ثلاثة مساجد لا تُشَدّ الرّحال إلا إليها، كما جاء في الحديث أنّ  رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(15 )، وقوله- صلّى الله عليه وسلّم - أيضاً: (صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خيرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)( 16).

   فإذا أكرمك الله – أيّها الحاجّ – بالوصول إلى تلك الرُّبوع الطاهرة، وملأتَ عينيك من تلك الرّياض على ساكنها -أفضل الصلاة والسلام- ، فتأدَّب مع صاحبها ، واشتغل ما دُمْتَ هناك بغرضك الذي جئْتَ من أجله، فالصلاة في المسجد النبوي والأدعية فيه مشروعة وَمُسْتَحَبّة في أيّ وقت طوال العام، فإذا وَفَّق الله المسلم وَيَسَّرَ له الوصول إلى بلاد الحرمين الشريفين، سُنَّ له الذهاب إلى المدينة المنورة للصلاة في مسجد النبي – صلّى الله عليه وسلّم –، حيث إِنّ الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، واحرص أخي الحاج إِنْ أكرمك الله بذلك ، وبعد أداء الصلاة ، أَنْ تُسَلِّمَ على سيّدنا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - ، وعلى صاحبيه الكريمين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.

* المسجد الحرام في مكة المكرمة :

مكة المكرمة هي مهبط الوحي الذي عَمَّ البلاد، وفيها المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وَأَمْنا، كما  جاء في قوله سبحانه وتعالى : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}(17)، وهي المكان الذي وُلِدَ فيه رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – ، ومنها بزغ فجر الدعوة الإسلامية على الدّنيا بأسرها.

فإذا دخلتَ أخي الحاج مكة المُكرمة، ووقع بصرك على الكعبة المُشَرَّفة،  فَقُلْ :  ( اللهمَّ زِدْ هذا البيتَ تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومَهَابة، وَزِدْ مَنْ شرَّفه وعظَّمه مِمَّن حَجَّه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً، اللهُمَّ أنتَ السّلام ، ومنك السلام ، فَأحينا ربنا بالسلام)، فأنتَ -يا أخي الحاج- في جوار الله وفي ضيافته، فحيّي بيته أولاً بالطّواف، واستكثر من الصلوات بلا كَلَل، واعلم أنّ ركعة في بيت الله الحرام تُساوي في الفضل مائة ألف ركعة فيما سواه، واخفض من صوتك، واغضض من بصرك، وأحسن لمن أساء إليك، وَكُنْ كالنخلة يقذفها النّاس بالحجارة وَتُلقي إليهم الرُّطّب الجَنِيّ، وإن استطعتَ أن تكون خادماً للضعفاء وعوناً  لذوي الحاجة، فلا تبخل بما أعطاك الله  من صِحّة ومال، فإنّ من أجلّ مناسك الحج التعاون على البرّ والتقوى، وعليك أن تغتنم وجودك في رحاب البيت الحرام لفعل الطاعات واجتناب المنهيات، فتُكثر من الصلاة والتسبيح والتكبير والتّلبية والدّعاء.

نسأل الله تعالى للحُجَّاج الكرام حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور

وصلّى الله على سيّدنا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

1- سورة الحج الآية (27)

2-تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/290-291

3- سورة آل عمران الآية (97)               

4- متفق عليه                    

5- أخرجه الترمذي       

6- أخرجه البخاري                                

7-سورة الأنبياء الآية (92)                    

8- سورة الحجرات الآية(13)

9- أخرجه البيهقي          

10-سورة البقرة الآية (197)                

11-سورة المائدة (97)

12- سورة البقرة الآية (125) 

13-سورة الأنبياء الآية (107)

14-سورة سبأ  الآية (28)                                               

15- أخرجه البخاري

16- أخرجه البخاري     

17- سورة البقرة الآية (125)