2022-11-28

فضـائل يوم عرفة والاستعداد لعيد الأضحى


2022-07-08

الخطبة الأولى :

أيها المسلمون :

أخرج الإمام الترمذي في سُنَنه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم - :  (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ- رسولُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  : وََلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بشَيْءٍ).

يتفيأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ظلال هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجة، وأفضل هذه الأيام يوم عرفة، هذا اليوم المُبارك الذي يُوافق اليوم الجمعة حيث يجتمع فيه ضيوف الرحمن  على جبل عرفة في أطهر البقاع، في مهبط الوحي الذي عمَّ البلاد، لتأدية شعيرة من شعائر الإسلام وركن من أركان الدين، وهو يوم تتجلّى فيه رحمة الله عليهم فيغفر لهم، كما تجلّت فيه رحمة الله بالمؤمنين جميعاً فأخبرهم بأنه أكمل لهم الدين ، وأتمَّ عليهم النّعمة  ورضيَ لهم الإسلام دينا.

ومن فضــل الله سبحانه وتعالى على ضُيوفه الكرام أَنْ وَفَّقهم للوقوف بعرفة داعين ربهم أن يتقبل حَجَّهم ، ثم ينفرون إلى المُزدلفة ذاكرين الله سبحانه وتعالى ، ويرمون جمرة العقبة ، وينحرون هديهم، ويحلقون رؤوسهم ، ويطوفون بالبيت العتيق، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.

ومن المعلوم أنّ الحجاج يمكثون بِمِنَى أيام التشريق ليرموا الجمرات الصغرى والوسطى والكبرى اقتداء بسيّدنا إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- ، ثم يكون آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع، لقوله – صلّى الله عليه وسلّم - : ( لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالْبَيْتِ)، فالحاج- والحمد لله- في طاعة مُسْتمرة لربه، حيث تنطلق الأصوات بالتلبية : لَبَّيْكَ اللهُمَّ لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك، إِنّ الحمد والنّعمة لك والمُلك، لا شريك لك، وفي هذه الأيام المباركة يتجلّى الله على عباده ويَمُنُّ على ضيوفه الذين لبّوا دعوته  وقصدوا مائدته ، يَمُنُّ عليهم بالعفو والمغفرة والرّضوان ، ويقول لهم : ( أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ، وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ) .

أيها المسلمون :

إنَّ يوم عرفة يوم مبارك، تتنزّل فيه الرّحمات وهو من الأيام العشر، ومن أعظم مواسم الخيرات، لقول الرَّسول الأكرم – صلّى الله عليه وسلّم-: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ).

وفي هذا اليوم المبارك يتوجه الحجاج إلى الله سبحانه وتعالى بخالص العبادة والدعاء، وببالغ التَّضَرُّع والابتهال والتّذلل بين يديه سبحانه وتعالى، هذا المشهد الإيماني يُباهي الله به ملائكته المُقربين، كما جاء في الحديث: (... وما من يومٍ أفضلُ عند اللهِ من يومِ عرفةَ، ينزِلُ اللهُ تباركَ وتعالَى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ، فيقولُ: (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي ، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ)، وكلّنا ثقة وأمل في ضيوف الرحمن عامة وحجّاجنا الكرام من فلسطين أرض الرِّباط بصفة خاصة أن يتذكّروا أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين المسجد الأقصى الأسير، وأن يتضرّعوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء في هذا اليوم العظيم بأن يَفُكَّ أَسْرَه، وأن يكشف الغُمّة عن شعبنا وعن الأُمَّة، وأن يرفع البلاء والوباء والغلاء عن شعبنا المرابط وأمتنا العربية والإسلامية.

ولم يُرَ الشيطان أذلّ وأحقر من يوم عرفة، وذلك بسبب فضل الله على المؤمنين، وفتح باب رحمته لقبول توبة العاصين، لقوله – صلّى الله عليه وسلّم –: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ).

وقد حجَّ رسولنا -صلّى الله عليه وسلّم- في السَّنة العاشرة من الهجرة راكباً ناقته القصواء، وبهذه المناسبة نودّ الإشارة إلى أنّ هذه الحَجَّة تُسَمَّى حجّة الوداع؛ لأنَّ الرّسول -عليه الصلاة والسلام- وَدَّع النّاس فيها قائلاً: (لعلِّي لا ألقاكُمْ بعدَ عامي هذا)، ولم يحج –عليه الصلاة والسلام- بعدها، وفي حجة الوداع خطب -عليه الصلاة والسلام- خُطبته المشهورة في يوم عرفة في موقف خالد ومشهد رائع، وسط آلاف المؤمنين المُحبين لِنبيِّهم ودينهم، ألقى عليهم دستور الحياة، ووصيته الجامعة التي تكفل لهم السعادة في الدنيا والآخرة، والكلّ مُنتبه ومشدود إلى حيث الرحمة المهداة.

هذا الخطاب الجامع الذي اشتمل على حُرمة الدماء والأموال والأعراض، وحُرمة الرِّبا والأخذ بالثأر، وعلى أداء الأمانة، وعلى مُخالفة الشيطان، واشتمل أيضاً على حقوق النساء، وعلى الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، هذه الخُطبة تحتاج إلى مُجَلّدات عند شرحها، وهي عبارة عن ميثاق عظيم، على البشرية أن تعمل به وأن تستفيد منه.

أيها المسلمون :

إنّ العيد في الإسلام يوم فرح وسرور، يُحِبّ الله فيه أن تظهر آثار نِعَمِه على عباده.

وفي العيد  دعوة لصلة الأرحام كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم - : ( ... وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَليَصلْ رَحمه)، ومن المعلوم أنّ صلة الأرحام في العيد واجبة، وصلة الرحم ليست قاصرة على الأقرباء الذين يصلونك ويزورونك، فهذه تُعَدُّ مكافأة لهم على زياراتهم، ولكنّ الصِّلَة الحقيقية الكاملة ينبغي أن تشمل جميع الأقرباء حتى القاطع منهم لقوله– صلّى الله عليه وسلّم-: (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا).

وفي العيد دعوة لتأكيد أواصر المَوَدَّة بين الجيران و الأصدقاء ، وضرورة التّعالي على أسباب الحقد والشحناء لقوله – صلّى الله عليه وسلّم - : (خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ تَعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ تَعالى خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ(، وفيه يعطف الأغنياء على الأيتام و الفقراء والمحتاجين، خاصة في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها بلادنا المباركة فلسطين، مِمَّا يُعَزِّز أواصر المحبّة والتكافل بين أبناء شعبنا الفلسطيني المرابط، فتدخل البسمة والفرحة كلّ البيوت ، وتظهر وحدة المسلمين فهم كالجسد الواحد ، فليس بينهم محزون ولا محروم.

ادعوا الله وأنتم مُوقنون بالإجابة ، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله ....

الخطبة الثانية:

أيها المسلمون:

في هذا العيد شرع الله الأضاحي، تقرُّباً إليه بدمائها وتصدُّقاً على الفقراء بلحمها، والأُضحية من شعائر الإسلام ورمز للتضحية والفداء وسنّة أبي الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- .

وَتَصِحّ الأُضحية من الإبل والبقر والغنم، ومن الغنم الضأن ما أتمَّ ستة أشهر بحيث إذا وُضع بين الحوليات لا يُمَيَّز عنها، ومن الماعزِ ما أتمَّ سنة ودخل في الثانية وتكفي عن ربّ أسرة، ومن الإبل ما أتمَّ خمس سنوات ودخل في السادسة، ومن البقر ما أتمَّ سنتين ودخل في الثالثة وتكفي عن سبعة، لحديث جابر، قال: (نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ)، ويبتدئ وقت الذبح عقب صلاة العيد مباشرة ويمتدّ إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، ومن السُّنَّة عند توزيع الأُضحية أن يأكل المُضَحّي ثلثها، وأن يهدي ثلثها، وأن يتصدّق بثلثها.

أيها المسلمون:

إِنَّ أيّام التشريق أيّام طاعة لله سبحانه وتعالى ، فهي أيّام ذِكْر وشُكْر لله عزَّ وجلَّ ، كما جاء في الحديث :  ‏أنّ رسول الله-‏صلّى الله عليه وسلّم- قال : (‏أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلهِ)، كما ذكر الإمام  البخاري في صحيحه في كتاب العيدين، ‏‏باب التَّكْبيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ: (وَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-  يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبيرًا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا، وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ‏).

 ومن المعلوم أنّ التّشريق هو  تَقْديد اللّحم بإِلقائه في الشّمس المُشرقة، وقد جَرَت العادة بتشريق لحوم الأضاحي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فَسُمِّيت هذه الأيام الثلاثة أيام التّشريق، وأيام التّشريق هي الأيام المعدودات، أما الأيام المعلومات فهي أيام العشر من أول شهر ذي الحجة، كما ذكره الإمام البخاري عن ابن عباس- رضي الله عنهما - : (وقال ابن عباس: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} أيّام العشر، و الأيام المعدودات : أيّام التشريق ) .

أيها المسلمون:

 فأيام التشريق يجتمع فيها للمسلمين نعيمُ قلوبهم بذكر الله وشكره على نعمائه، ونعيمُ أبدانهم بالطعام والشراب، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

ولمّا كانت هذه الأيام هي آخر أيام يقضيها الحجاج في تلك الرُّبوع الطاهرة حيث وَفَّقهم الله لأداء مناسكهم , كما أنّ المسلمين من غير الحجاج قد تقرّبوا إلى الله تعالى بنحر الأضاحي بعد الأعمال الصّالحة في الأيام العشر, كان ختام هذه المواسم الإيمانية ذِكْر الله سبحانه وتعالى وشُكْره من الحُجّاج وغيرهم، كما جاء في الحديث:( اللَّهُمَّ أعِنَِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).

وبهذه المناسبة فإننا نتقدّم من أبناء شعبنا الفلسطيني المُرابط والأُمّتين العربية والإسلامية بأصدق التّهاني والتّبريكات بحلول عيد الأضحى المبارك، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يجعله عيد خَيْر وَبَركة على المُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن يأتي العيد القادم وقد جمع الله شملنا ووحَّد كلمتنا وَأَلَّفَ بين قلوبنا ، إنه سميع قريب، تقبّل الله منا ومنكم الطاعات ، وكلّ عام وأنتم بخير.

اللّهم اجمع شملنا، وَوَحِّد كلمتنا، وأَلِّف بين قلوبنا، يا ربَّ العالمين

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الدعاء ...