2022-08-14

نتائــج الثانويــة العامـــة ... وصيام عاشوراء


2022-08-05

 الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(1).

أعلنت وزارة التربية والتعليم قبل أيام نتائج امتحانات الثانوية العامة بفلسطين، ونحمد الله سبحانه وتعالى أنْ هَيَّأَ الأسباب ويَسَّرَ الأمور لأبنائنا وبناتنا لتقديم الامتحانات، رغم الظروف الصّعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، فهنيئاً لشعبنا الفلسطيني المُرابط بهذا الإنجاز الكبير، والذي يدلّ دلالة واضحة على مدى حُبِّ شعبنا للتعليم، وحرصه على استمرار مسيرته .

 وبهذه المناسبة السّعيدة يَسُرُّني أن أتقدم بأصدق التهاني والتبريكات لأبنائنا الناجحين في امتحانات الثانوية العامة، وأقول لهم: أنتم الآن على أبواب مرحلة جديدة، تحتاج منكم إلى الجدِّ والاجتهاد والمُواظبة، حتى يرسم كلّ واحد منكم مُسْتقبله حسب قدراته؛ ليكون له دور فاعل في بناء وطنه، وَيُسْهم في تقدُّمه وازدهاره، فأنتم أيها الشباب عماد الأمة وسِرُّ نهضتها ومبعثُ عزّتها وحضارتها.

وندعوكم أيها الأبناء الكرام إلى الإقبال على مقاعد الدراسة في جامعاتنا الوطنية المُنتشرة في ربوع وطننا الغالي فلسطين، فالجامعات الأجنبية ليست بأفضل من الجامعات المحلية، فالطالب المُجدّ يكون عنواناً مُشَرّفاً أينما كان.

شكر وتقدير

     وبهذه المناسبة فإننا نتوجّه بالتحية والتقدير للأهالي الكرام الذين لم يدّخروا وُسْعاً في توفير الأجواء المُناسبة لأبنائهم؛ كي يواصلوا دراستهم ويقدّموا امتحاناتهم بنجاح.

كما نشيد بدور أسرة وزارة التربية والتعليم التي بذلت قصارى جهدها من أجل إكمال العام الدراسي، وهَيَّأتْ كلّ السُّبل أمام أبنائنا الطلاب لتقديم امتحانات الثانوية العامة، إلى أن تَمَّ الإعلان عن نتائجها والحمد لله.

وأَمَّا أنتَ أيها الطالب الذي لم يُحَالفك النجاح فلا تيأس ولا تضعف، بل عليك الاستعداد لفرصة جديدة بكلّ حيوية ونشاط، وإيّاك من اليأس، فكم من طبيب أو مهندس أو معلّم ..الخ لم يحالفه الحظّ مرة أو أكثر، لكنه جَدَّّ واجتهد حتى كتب الله سبحانه وتعالى له النجاح والتوفيق .

فالإسلام حرّم اليأس وأوجد البديل وهو الأمل، الأمل في غدٍ مُشرق عزيز بِجِدّ الشباب وعزمهم واجتهادهم، بعد توكّلهم على الله سبحانه وتعالى وأخذهم بالأسباب .

الفقـــر... لا يحول دون العلـــم

لقد حثَّ ديننا الإسلامي الحنيف على طلب العلم وتحصيله ، وقدَّر العلماء وأعلى منزلتهم ومكانتهم، وَسَمَا بالعلم إلى درجة العبادة، ونادى بتكافؤ الفُرَص بين الأغنياء والفقراء في التعليم، فهذه دعوة لأبنائنا بأن يُقْبلوا على العلم رغم فقرهم، ورغم الظروف الاقتصادية والسياسية الصّعبة التي يمرّ بها شعبنا، فيجب أَلاَّ يقف الفقر أو بعض العوائق حَائِلاً دون مواصلة التعليم، فالعلم بحاجة إلى التضحية والصبر على نوائب الدهر حتى يصل الإنسان بجدّه واجتهاده إلى ما يصبو إليه.

فالقاضي أبو يوسف كان فقيراً،  فأصبح قاضي القضاة في عصر هارون الرشيد، وأبو تَمَّام كان يسقي الماء في مسجد بني أُمَيَّة ثم أصبح شاعراً كبيراً وأديباً، والجاحظ كان يبيع السمك ثم أصبح أديباً كبيراً، والإمام الغزالي كان يتيماً فأصبح إماماً جليلاً .

ومن هنا نرى لزاماً على الجميع كلٌّ في موقعه ضرورة التعاون من أجل مُساعدة الطلاب الفقراء بكفالة تعليمهم ودفع رسومهم الجامعية، وما أجمل أن نرى التعاون والرحمة والمحبة تُخَيِّم على مجتمعنا الكريم، حتى نُيَسِّر لهؤلاء المُتفوقين والمُجِدّين من الفقراء سُبُل إكمال تحصيلهم العلمي .

فلسطين موطن العلم والعلماء

إَنّ بلادنا فلسطين أرض العلماء، فَكَمْ مِنْ عَالمٍ وُلِدَ على ثراها، أو تَرَعْرَعَ في أَزِقَّتها، أو زارها، أو دُفن فيها، ومن المعلوم أنّ فلسطين من أزخر البلاد الإسلامية بالعلماء الذين ملأوا طِبَاق الأرض عِلْماً، واستنار بعلمهم الكثير من أبناء الأمتين العربية والإسلامية، منهم: الإمام الشافعي، والإمام ابن حجر العسقلاني صاحب كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، والإمام ابن قُدامة الحنبلي صاحب كتاب المُغني، والقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي كان مُستشارًا لصلاح الدين الأيوبي، حتى قال صلاح الدين في حقّه: (لم أفتحْ ما فَتَحْتُه بقوة سيفي بل بعلم القاضي الفاضل).

كما توجد في بلادنا اليوم والحمد لله جامعات مُتعددة، بالإضافة إلى كليات مختلفة، كما أنَّ العديد منها تمنح الشهادات الجامعية العالية (البكالوريوس والماجستير والدكتوراه) في تخصصات متعددة.

وفي هذه الأيام ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، إلا أننا نرى والحمد لله أنَّ الكثير من جامعاتنا وأساتذتنا وعلمائنا قد فازوا في مسابقات عديدة، ونالوا درجات عالية، وَأَلَّفُوا كُتُباً قيّمة، واخترعوا اختراعات وأدوية متعددة ، فالحمد لله ربّ العالمين .

ونحن في فلسطين أصحاب أعدل قضية في العالم ، نحرص على التَّمَسُّك بالعلم؛ لأنه هو السبيل إلى تحرير أرضنا و المحافظة على مقدساتنا واستعادة كامل حقوقنا، فبالعلم ترتقي الأمم، وبالعلم يحيا الإنسان، وبالعلم تتطور الشعوب، وبالعلم ينتصر الحقّ على الباطل، وبالعلم ينتصر المظلوم على الظالم؛ لأنّ العلم نور، والله نور السموات والأرض.

صيام يوم عاشوراء

 إننا  نعيش  في هذه الأيام في ظلال شهر كريم هو شهر المـُحَرَّم، وهذا الشهر فيه خير كثير، وفيه أيام مباركة، ومن السُّنَّةِ صيام بعض أيامه، فقد ورد أنّ رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم- قال: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ)، ورحم الله القائل:

شهرُ الحرامِ مباركٌ ميمون            والصومُ فيه مُضَاعفٌ مسنون

      فعلينا أن نُكثر فيه من الصوم، فإنْ ضَعُفْنَا عن ذلك، فلا يفوتنا صيام يوم عاشوراء (يوم العاشر منه)، فإن فضله عظيم، فقد كان رسولنا –صلّى الله عليه وسلّم- يحثّ عليه ويأمرُ به، كما جاء في الحديث أَنّه – صلّى الله عليه وسلّم- قال: (...وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (2)، وجاء في الحديث عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: (حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، قَالَ: ( فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-)  (3).

إِنّ لربنا في دهرنا نفحات ، تأتينا نَفْحَة بعد نفحة ، تُذَكِّرنا كُلّما نسينا ، وَتُنَبّهنا كُلَّما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات ،  فعلى المسلم أن يصوم يوم عاشوراء، وأن يتقرب فيه إلى الله عزَّ وجلَّ بما يُوَفّقه إليه سبحانه وتعالى من شتّى الطاعات والعبادات، من قراءةٍ للقرآن الكريم، وذكرٍ لله سبحانه وتعالى، وتوبةٍ صادقة، وإقبالٍ على الله سبحانه وتعالى، فلعله أن يكون فاتحة خيرٍ في أول شهرٍ في هذا العام المُبارك، نفتتحه بطاعة الله كما اختتمنا العام الماضي بطاعة الله تبارك وتعالى.

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

  1. سورة المجادلة الآية (11)        
  2. أخرجه مسلم    
  3. أخرجه مسلم