2022-10-07

في الذكرى الثالثة والخمسين لحريق المسجد الأقصى المبارك


2022-08-19

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(1).

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى إحراق المسجد الأقصى المبارك على يَدِ مُجرم حاقد في الحادي والعشرين من شهر أغسطس ( آب) عام 1969م ، حيث أصاب الحريق المشؤوم المنبر الأثري الذي أمر بِصُنْعه الشهيد نور الدين زنكي- رحمه الله- لِيُوضَع في المسجد الأقصى المبارك، كما أمر بإحضاره إلى القدس السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي بعد أن حَرَّر مدينة القدس من أيدي الفرنج في سنة583هـ-1187م،  وقد أُضرمت النار في مِحْرابه وزواياه وأروقته، وأصبح منبر البطل صلاح الدين أثراً بعد عَيْن، وأتت النيران على مساحات شاسعة من المسجد القبلي.

حريق الأقصى.... ذكرى أليمة واعتداءات مستمرة

إِنّ ذكرى حريق المسجد الأقصى المبارك تتزامن مع الهجمة الشرسة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتهويد مدينة القدس، فهذه المدينة المُقدسة تتعرض لمجزرة بشعة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستهدف الإنسان والمُقدسات والتاريخ والحضارة، كما أنّ المسجد الأقصى يتعرض حالياً إلى خطرٍ داهم على يَدِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تُحاول فرض سيادتها عليه، وتعمل جاهدة على تفريغه من المُصلين والحراس وطلاب مصاطب العلم، فما زالت الحرائق تشتعل في المسجد الأقصى وتأخذ أشكالاً متعددة، منها: التصريحات المتكررة لقادة الاحتلال والمُتمثلة في محاولتهم فرض سيطرتهم على المسجد الأقصى وتقسيمه، والسّماح للمستوطنين بالصلاة فيه؛ تمهيداً لإقامة ما يُسَمَّى بالهيكل المزعوم على أنقاضه – لا سمح الله-، وكذلك الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، والحفريات الإسرائيلية المُدَمِّرة والأنفاق المُتعدِّدة التي تَسَبَّبَتْ في تقويض بنيانه وزعزعة أركانه، فالمسجد الأقصى ما زال في دائرة الاستهداف من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

إِنّ سياسة التهويد التي تُمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المدينة المقدسة وصلت إلى قلب المسجد الأقصى، وهى ماضية في تهويده، بحفر الأنفاق أسفله في ظِلِّ تعتيمٍ إعلامي كبير ، إلا أنها في الفترة الأخيرة أصبحت تُجَاهِرُ في تهويدها للمدينة المقدسة وقلبها المسجد الأقصى المبارك، غير آبهة بالمجتمع الدولي ولا بقراراته، وإِنَّنا نُؤَكِّد هنا على أنَّ المسجد الأقصى المبارك مسجد إسلامي بقرارٍ ربّاني لا يُلغيه أيّ قرار صادر من هنا أو هناك، وليس لغير المسلمين حقٌّ فيه.

المسجد الأقصى: أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين

أولى القبلتين :  لقد كانت القدس القبلة الأولى للمسلمين منذ فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج حتى أَذِنَ الله بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، كما جاء في الحديث الشريف: عن
البراء بن عازب -رضي الله عنه-  قال: (صَلَّيْنا مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- نحوَ بيتِ المقدس سِتَّةَ عشرَ شَهْراً أو سبعةَ عشر شهراً ثم صُرِفْنَا نحْوَ الكعبة)(2).

ثاني المسجدين : المسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد بُني على  الأرض بعد المسجد الحرام، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي ذر -رضي الله عنه- أنه قال: (قلْتُ يَا رَسُولَ الله: أَيُّ مَسْجد وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلاً؟ قَالَ : اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ : قُلْتَ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: اَلْمَسجِدُ الأقْصَى، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيِه) (3).

ثالث الحرمين الشريفين: فالمسجد الأقصى المبارك هو ثالث المساجد التي تُشَدُّ إليها الرّحال كما جاء في الحديث الشريف، أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إَلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذا، وَالمَسْجِدِ الأقْصَى)(4).

ومن خلال الأحاديث السابقة نتعرّف على مدى الاهتمام الكبير الذي أولاه الرسول -عليه الصلاة والسلام- للمسجد الأقصى المبارك، حيث ربط قيمته وبركته مع قيمة شقيقيه: المسجد الحرام بمكة المُكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وبركتهما.

والأقصى: اسم للمسجد كلّه الذي تبلغ مساحته (144) دونمًا بساحاته وأروقته  وقبابه ومصاطبه وأسواره، وكلّ جزء فيه سواء كان فوق الأرض أم تحتها، هو حقٌ خالصٌ للمسلمين وحدهم.

تحية لأهلنا المقدسيين

إننا نُوجِّه تحية إكبار وإجلال لأهلنا المقدسيين ولعلمائنا الأجلاء ولسدنة الأقصى وحراسه وللمرابطين داخل المسجد الأقصى المبارك، على صمودهم وتصديهم الدائم لقطعان المستوطنين ودفاعهم المستمر عن المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة،  حيث إنهم يُشَكِّلون خطَّ الدفاع الأول عن القدس والأقصى والمقدسات، ويتصدون للمُقتحمين بشَتَّى الوسائل الممكنة؛ دفاعاً عن أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين.

وإنَّ ما يقوم به  المقدسيون من دفاع عن الأقصى والقدس والمقدسات يستحق الثناء والتقدير ، كيف لا؟ وهم يقفون سَدَّا منيعاً في وجه كل الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك ومواجهة مُخَطَّطَات التهويد للمدينة المقدسة ، وما زالت انتصاراتهم تتوالى على إجراءات الاحتلال ومُخطَّطاته وغطرسته، ومنعه من تنفيذها بقوة إيمانهم بأحقيتهم في المدينة المقدسة والمقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك .

القدس قلب فلسطين النابض

إِنَّ مدينة القدس  بحاجة إلي خُطوات فعلية تُسهم في المحافظة على عروبتها وإسلاميتها ودعم صمود أهلها، فمدينة القدس احْتُلَّتْ عبر التاريخ مرات عديدة ولكنها لفظت المحتلين وستلفظ هذا المحتل إن شاء الله، هذه المدينة المقدسة في أَمَسِّ الحاجة إلى أيِّ جُهْدٍ يُميِطُ اللّثام عما يجري من أعمال بشعة بحقها وتراثها وأهلها، والتي تُشكِّل إهانة للإنسانية ووصمة عارٍ في جبينها. 

إِنَّ مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة، فهو الشعب الذي منحه الله عزَّ وجل شرف المرابطة في هذه البلاد كما جاء في الحديث: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأَوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) (5)،  بل إِنّها مسئولية العرب والمسلمين جميعاً بضرورة المحافظة على الأقصى والقدس وفلسطين، والعمل على مُساندة هذا الشعب والوقوف بجانبه ودعمه؛  للمحافظة على أرضه ومقدساته.

إننا نُطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألاّ ينسوا مسرى نبيهم محمد – صلّى الله عليه وسلّم- ومدينة القدس، كما ندعوهم لضرورة العمل على المحافظة عليها وحماية مقدساتها لأنها جزء من عقيدتهم، هذه المدينة التي تتعرض يومياً لمذبحة إسرائيلية تستهدف الإنسان والتاريخ والحضارة، كما يجب عليهم مساعدة أبناء الشعب الفلسطيني ودعم المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس بكل الطُّرق وفي شَتَّى المجالات، الإسكانية والصحية والتعليمية والثقافية والتجارية والشبابية وغير ذلك؛ لدعم صمودهم وثباتهم في مدينتهم المقدسة.

فالقدس تنتظر بشَغَفٍ المواقف العربية والإسلامية التي تحميها من الضّياع والاندثار، كما أنّ المسجد الأقصى المبارك يُخاطب الأمة قائلاً: أدركوني قبل فوات الأوان، فهل من مجيب؟!.

 فمدينة القدس لا يُمكن أن تُنسى أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخَطَّط المحتلون الذين يسعون لطمس طابعها العربي والإسلامي، وَمَحْوِ معالمها التاريخية والحضارية، وتحويلها إلى مدينة يهودية.

فالقدس تُناديكم اليوم؛ للتأكيد على أنها عاصمة دولة فلسطين، ولتطبيق العدالة في أعدل قضايا الدنيا، قضية القدس وفلسطين وشعب فلسطين، وقيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

إِنَّ القدس تقول لكم: سوف يتراجع الظلم، وينهزم الأعداء، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنَّ الفجر آتٍ بإذن الله رغم أعداء شعبنا وأمتنا، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.

نسأل الله أن يحفظ الأقصى والقدس وفلسطين وبلاد المسلمين من كل سوء

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 الهوامش:

1- سورة الإسراء الآية (1)

2-أخرجه مسلم   

3-أخرجه البخاري                              

4- أخرجه البخاري                

5- أخرجه أحمد في مسنده