2022-10-07

عام دراسي جديد


2022-08-26

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أمّا بعد:

 يستعدّ أبناؤنا وفلذات أكبادنا من الطّلاب والطّالبات للعودة إلى مقاعد الدّراسة في هذه الأيام، بعد انتهاء الإجازة الصَّيفيَّة، فها هي المدارس– والحمد لله- ستفتح أبوابها صباح يوم الاثنين القادم 29/8/2022م لاستقبال الطّلاب والطّالبات في عامٍ دارسي جديد، ونحن نُبارك لأبنائنا عودتهم، ونتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى بالدُّعاء أن يُوفقهم لِمَا فيه الخير، وأن يأخذ بأيديهم لِمَا يُحبّه ويرضاه، فَهُم فلذات الأكباد وَسَنَد السّواعد، كما  قال الشاعر:

وإنّمـــــا أَوْلادُنَا بَيْنَنـــــــــا        أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ

لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِم      لامْتَنَعَتْ عَيْني مِنَ الغَمْضِ

وبهذه المناسبة فإنّنا نُهَنّئ أبناءنا الطّلاب بِعَامِهِم الدّراسيّ الجديد، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يكون عام خيرٍ وبركة عليهم وعلى أساتذتهم وأُسَرِهم وشعبنا، إنّه سميع قريب.

الإسلام ... يحث على العلم ويُقَدّر العلماء

إِنَّ ديننا الإسلاميّ الحنيف الذي أكرم الله سبحانه وتعالى به البشرية، دين يدعو إلى العلم، فأوّل خمس آيات نزلت من كتاب ربِّ العالمين على سيِّدنا محمّد  – صلّى الله عليه وسلّم – لَتؤكِّد على أهمِّيَّة العلم وفضله ووجوب تحصيله وطلبه، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(1).

   يقول الإمام ابن كثير: (فأوّل شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المُباركات، وَهُنّ  أوّل رحمة رحم الله بها العباد، وأوّل نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التّنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأنَّ مِنْ كرمه تعالى أنْ علّم الإنسان ما لم يعلم، فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البريّة آدم على الملائكة(2).

وعند دراستنا للقرآن الكريم فإنّنا نجد أنّه قد رفع من قَدْرِ العلم والعلماء وأعلى شَأنهم في عشرات الآيات، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لايَعْلَمُونَ}(3)، وقوله سبحانه وتعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(4 )، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(5 ).

أمّا الأحاديث التي تتحدّث عن فضل العلم والعلماء  فكثيرة، منها قوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)(6)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا)(7)، وقوله  – صلّى الله عليه وسلّم – أيضاً: (...إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر)(8).

كما بيّن الصّحابة الكرام–رضي الله عنهم أجمعين- منزلة العلم والعلماء في كثيرٍ من أقوالهم ووصاياهم، ومن ذلك ما أُثِرَ عن الإمام عَلِيّ–رضي الله عنه– قوله:(العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك، وأنتَ تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تُنقصه النّفقة، والعلم يزيد بالإنفاق)،كما ذكرت كُتب السّيرة حرص الصّحابة–رضي الله عنهم أجمعين–على حضور  مجالس العلم.

العمليّة التعليميّة مسؤوليّة جماعيّة

إِنَّ العملية التربويّة والتعليميّة منظومة مُتكاملة وَسِلْسِلَة مُتّصلة لا ينفكّ بعضها عن بعض ، ومع بداية العام  الدّراسي الجديد يتحمّل الجميع مسؤوليّات كثيرة ، والواجب علينا جميعًا أن نقوم بهذه المسؤولية على أكمل وجه، حيث إِنّ مسؤولية العمليّة التعليميّة مُشتركة بين الطّالب والمُعَلّم ووليّ الأمر:  

* الطالب : من المعلوم أنّ على الطالب دوراً كبيراً يجب عليه القيام به على أكمل وجه، وفي مُقدّمة ذلك الحرص على الاجتهاد في الدّراسة ومتابعتها أوّلاً بأوّل، ووجوب الانتباه إلى شرح المُعَلِّم والإنصات إليه، واحترامه وتقديره وتنفيذ أوامره، فالمُعَلّم هو أساس التَّعَلُّم، كما جاء في الحديث  أنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم- قال: (تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لَهُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ)(9).

 * المعلّم :  يقع على المُعَلِّم واجب كبير وَمُهِمّة جليلة ، فالمعلّم اليوم في مقام الوالد للولد، لذلك يجب عليه أن يغرس في أبنائه الطّلاب الأخلاق العالية والآداب الحسنة ، وأن يعمل على تنمية مواهبهم وزيادة قُدراتهم وتصحيح أخطائهم ، فالمعلم له دور كبير في صقل الطّالب وتهذيب خُلُقِه، والأخذ بيده إلى ما فيه الخير وإرشاده إلى ما يُلائمه من دراسة وعمل؛ لذلك يجب علينا احترام المعلمين وتقديرهم، فهم يُخَرِّجون للمجتمع: الطّبيب، والمهندس، والمحامي، والعالم، وأصحاب الكفاءات، ونحن في هذه المناسبة نقول لأساتذتنا الفضلاء: أنتم تستحقّون كلّ خير، وكلّ تقدير، فمن عَلَّمني حرفاً كنتُ له عبداً، فجزاكم الله عنّا خير الجزاء .

* وليّ الأمر : إنَّ تربيةَ الأبناء مُهِمّةٌ جليلة، خصوصًا في هذه الأوقات، فليس دوركم أيّها الآباء هو توفير الزيّ المدرسي والقرطاسيّة والأمور الماديّة فقط، بل هذا واجب عليكم تجاه أبنائكم ، ولكنّ واجبكم أعظم من ذلك، وهو تَحَمُّل المسؤوليّة الكبرى في تعليم أبنائكم وتربيتهم وَمُتَابعتهم، وغرس حبّ المدرسة وحبّ المعلِّم والتّعليم والمعرفة في نفوسهم،  كما يجب عليكم أن تحثُّوا أبناءكم على الدّراسة والمُواظبة والاجتهاد في التّحصيل العلميّ وتأدية واجباتهم على أكمل وجه.

كما يجب على وليّ الأمر إِنْ كان على قِسْطٍ من التعليم أن يُعَلِّم أبناءه وَيُراجع معهم ما قطعوه في دراستهم، وأن يُرشدهم إلى الطّريق السّليم حتى يكونوا أبناء صالحين، وأن يُوَجهّهم إلى اختيار التّعليم المُناسب لهم علميًّا كان أو مهنيًّا حسب قدراتهم. 

لذلك فإنّ على وليّ الأمر مسؤوليّة كبرى، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فيجب على وليّ الأمر زيارة ولده في مدرسته ولو شهريًّا على الأقلّ، يسأل عنه وَيُشجّعه ويأخذ بيده إلى الأمام، فيشعر بالأمن وأنّ عَيْن أبيه معه وبجانبه تُراقبه، فيهتمّ بدروسه ويتحسّن سلوكه وتستقيم أخلاقه، كما يشعر المُعلِّم أنّ وليّ الأمر معه يُسانده وَيُقدّر جهده وعمله؛ لذلك لا بُدَّ أن يعرف كلٌّ منَّا مسؤوليته وواجباته تجاه الآخر.

أمتنـا بيــن الأمس واليـــوم

من المعلوم أنَّ ديننا الإسلاميّ الحنيف  قد حَضَّ على التَّزوّد الدّائم من جميع العلوم والمعارف الدّينية والدّنيوية، فقد خلَّف العلماء المسلمون للبشرية تُراثاً  علمياً غزيراً في جميع المجالات مازالت الأُمم تغترف منه وتقتبس، ومن هؤلاء العلماء الأفاضل: الفارابيّ، والكنديّ، وابن الهيثم، وابن سينا، وابن النّفيس، وابن خلدون وغيرهم مِمَّن ملأوا طِبَاق الأرض علماً، حيث أدرك المسلمون أهمِّيَّة العلم وشرفه وغايته، فتنافسوا في طلبه، وَتَغَرَّبُوا عن ديارهم وأوطانهم من أجلِ تحصيله، ونشروه تقرُّباً إلى الله سبحانه وتعالى، فالإقبال على هذه العلوم وتعلُّمها وإتقانها والاستفادة منها في عمارة الأرض هو فرض كفاية على الأمّة الإسلاميّة، ومع ذلك فإنّنا نجدُ وللأسف أنَّ الكثير من أبناء الأمتين العربيّة والإسلامية قد تجاهلوها وقَصَّروا في طلبها وتحصيلها في هذه الأيام، وكان ذلك سبباً رئيساً من أسباب تأخُّرنا عن مكان الرّيادة والصّدارة الذي كانت عليه أمّتنا وأسلافنا من العلماء المسلمين.

لذلك فإنَّ الواجب على أبناء الأمتين العربية والإسلامية ضرورة المُسَارعة في تحصيل العلم والمعرفة والجدّ والاجتهاد في الإقبال عليهما، حتّى يخرجوا من حالة الضّعف التي نخرت عظامهم، والوهن الذي أضاع مجدهم ، كما قال الشاعر :

لقد كُنَّا وكان الناسُ في الزَّمــنِ الخَـــــوَالِي

طُلاَّبَ علمٍ عِنْدَنا إِنْ في الجنوبِ أو الشّمالِ

يتتلْمَذون على حضارتِنـــا كتلمــــذةِ العِيَــالِ

وفي الختام: إنّنا نُحيّي أبناءنا الطّلاب والطّالبات ونشدّ على أياديهم، و ندعوهم إلى الجدّ والاجتهاد في الدّراسة، كما نتضرّع إلى الله عزّ وجلّ بالدّعاء أن يوفّقهم ويُسَدّد خطاهم، وأن يُحَقّقوا ما يصبون إليه من تقدّم ونجاح وتفوّق.

اللَّهُمَّ إِنّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً

وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش : 

1- سورة العلق الآية (1- 5)     

2- مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 3/656-657

3- سورة الزمر الآية(9)         

4- سورة المجادلة الآية(11)     

5- سورة فاطر الآية(28)        

6- أخرجه البخاري

7- أخرجه الشيخان               

8- أخرجه البخاري               

9- أخرجه الطبراني