2022-10-06

أسرانا البواسل ... أسطورة صمود وعنوان وحدة


2022-09-09

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(1).

إِنَّ ديننا الإسلاميّ الحنيف يحثُّ على إكرام الأسرى والإحسان إليهم، كما يُوجب  على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطّعام مُمَاثلاً في الجودة والكَمِّيَّة لطعام المسلمين، أو أفضل منه إذا كان ذلك مُمكنًا، استجابة لقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}، وأوصى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم - أصحابه بحُسن معاملة الأسرى فقال –صلّى الله عليه وسلّم-: ( اسْتَوْصُوا بِالأَسْرَى خَيْرًا )(2)، كما نهى – صلّى الله عليه وسلّم -  عن تعذيب الأسرى وامتهانهم.

قضيــّة الأسرى في سُلّم أولويـّات شعبنا

من المعلوم أنّ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي بلغ حتى نهاية شهر يوليو /2022م نحو (4550) أسيراً، منهم (27) أسيرةً، ونحو (175) طفلاً، ونحو (670) معتقلاً إداريًّا، وعدد الأسرى المرضى نحو (600) أسير، من بينهم (22) أسرى مُصَابون بالسّرطان وأورام بدرجات مُتفاوتة، ووصل عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى (227) شهيدًا.

إِنَّ شعبنا الفلسطينيّ المُرابط  يُتابع باهتمام قضيّة الأسرى ، فهي تقع على سُلَّم أولويّاته، كما أنّها قضيّة تمسّ كلّ أسرة فلسطينيّة، فلا تكاد أسرة واحدة تخلو من أسير، سواء كان أخاً، أو ابناً، أو أباً، أو زوجاً، أو أختاً، أو قريباً، أو صديقاً، أو جاراً، ويتضامن جميع أبناء شعبنا الفلسطينيّ بفصائله وشرائحه كافّة مع أشقّائهم الأسرى من خلال المشاركة في الوقفات الأسبوعيّة والفعاليّات الجماهيريّة، كما أنّ شعبنا الفلسطينيّ يُساند أبناءه الأسرى المُضربين عن الطّعام ، فهذه المواقف المُشرّفة من أبناء شعبنا المرابط تجاه أشقّائهم الأسرى تُعطيهم أكبر قُوّة في الصّمود والمُواجهة والثّبات.

لذلك يجب علينا جميعاً الاستمرار في الوقوف مع أسرانا الأبطال، وَمُساندتهم بالوقوف مع أُسَرِهم وذويهم وتقديم العون والمساندة لهم؛ كي يحيوا حياة كريمة طيِّبة، كما يجب علينا أيضاً أنْ تتكاتف جهودنا جميعًا من أجل العمل على إطلاق سراح جميع الأسرى الأبطال من سجون الاحتلال؛ تنفيذاً لقول رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم - : ( أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ)(3) "الأسير".

أسرانا البواسل ... وجرائم سلطات الاحتلال الإسرائيليّ

إِنّ سلطات الاحتلال الإسرائيليّ تَحْرِمُ أسرانا البواسل من حقوقهم المشروعة، حيث تزيدُ من وَتِيرة الإجراءات التَّعَسّفية واللإنسانية بحقِّ أسرانا البواسل، فأسرانا الأبطال محرومون من أبسط حقوقهم في زيارة الأهل والأقارب، وحقّهم في العلاج، كما يتعرّضون لسياسة القتل البطيء والإهمال الطِّبيِّ مِمَّا أَدَّى إلى استشهاد العديد منهم داخل سجون الاحتلال، فسلطات الاحتلال تُمْعِنُ وَتُصَعِّدُ من إجراءاتها ضِدّ الأسرى لِتَفُتّ في عَضُدِهم وَتُثبط من معنوياتهم، وما يحدث مع الأسير البطل/ ناصر أبو حميد يُعَدُّ مِثَالاً حيًّا وواقعيًّا على تلك السّياسة الإجراميَّة بحقّ الأسرى المرضى، حيث إِنه يُعاني من مرض السرطان، كما أُصيب بالتهابٍ حادٍّ في الرّئتين نتيجة تلوّث جرثوميّ، بسبب تَأَخُّر سلطات الاحتلال الإسرائيليّ في إرساله للمستشفى، ورفضها إطلاق سراحه لتلقّي العلاج، حيث إنّ وضعه الصّحيّ خطير جدًا، فسلطات الاحتلال الإسرائيليّ تتحمّل المسؤوليّة الكاملة عن تدهور وضعه الصّحيّ، داعين الله العليّ القدير أن يَمُنّ عليه وعلى جميع الأسرى المرضى بالشّفاء العاجل والفرج القريب.

ونحن هنا نُشيد بإرادة الأسير البطل/ خليل العواودة  وصموده في معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها ضِدّ مصلحة السّجون الإسرائيليّة لمدة (172) يومًا انتهت بانتصاره على السّجّان الإسرائيليّ، مُؤَكِّدين على أنّ إرادة أسرانا البواسل أقوى من إرادة السّجّان الإسرائيليّ.

ونترحّم على الأسير الشهيد/ موسى هارون أبو محاميد الذي استُشهد نتيجة سياسة (الإهمال الطبي) التي تتّبعها إدارة سجون الاحتلال بحقِّ الأسرى المرضى.

كما نُشيد بما يقوم به جميع الأسرى الأبطال رفضًا لجرائم مصلحة السجون الإسرائيلية في حقّهم، ونشيد أيضًا بأخواتنا الأسيرات اللاّتي يتعرَّضن للقمع والتّنكيل وحرمانهنّ من حقوقهنّ الإنسانيّة.

 المجتمع الدولي ... وقضية الأسرى

 انطلاقاً من قول رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم - : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ  وَتَعَاطُفِهِمْ  مَثَلُ  الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (4)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)(5)، فإنّنا نُشيد بالمواقف المُشرّفة لأبناء الأمّتين العربيَة والإسلاميّة الدّاعمة والمُناصرة لقضيّة أسرانا الأبطال، وما المُلتقيات الدّوليّة التي عُقدت لنصرة الأسرى الفلسطينيين في عددٍ من الدّول العربيّة والإسلاميّة، إلاّ دليلٌ واضح على وقوفهم مع أشقّائهم الأسرى الفلسطينيّين، وأملنا في الأمّتين العربيّة والإسلاميّة وفى جميع أحرار العالم أن تكون قضيّة الأسرى محور اهتمامهم، وألاَّ ينصبّّ عملهم على يوم الأسير فقط، أو عند ارتقاء شهداء في صُفوف الحركة الأسيرة، فقضيّة الأسرى تحتاج إلى جهد الجميع وفي كلّ الأوقات.

إِنّنا من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس نُطالب المجتمع الدّوليّ وهيئاته ومؤسّساته بالتّدخل الفوريّ للضّغط على سلطات الاحتلال الإسرائيليّ ومصلحة السّجون الإسرائيليّة لقبول جميع مطالب الأسرى ، والعمل على إطلاق سراحهم، ونطالب المؤسّسات الدّوليّة ذات الصّلة ومؤسّسات حقوق الإنسان بضرورة العمل على حماية أسرانا الأبطال من آلة القمع الإسرائيلية، كما نُطالب الأشقَّاء في الأمّتين العربيّة والإسلاميّة أيضاً بضرورة الضّغط على الجهات الدّوليّة ذات العلاقة من أجل العمل على إطلاق سراح جميع أسرانا البواسل.

رسالة إلى أسرانا الأبطال

أيّها الأسرى الأبطال: نحن معكم ولن نترككم وحدكم في المُواجهة ، ولن نتخلّى عنكم حتى يُنعم الله سبحانه وتعالى عليكم بالحريّة من سجون الاحتلال، ولن يهدأَ لنا بَالٌ إلا بخروجكم جميعاً إن شاء الله؛ كي تتنفَّسوا نسائم الحرية؛ وتُشَاركوا في بناء وطننا الغالي -هذا الوطن الذي يحتاج إلى كلّ السّواعد المُخلصة الطّيبة-، كما شاركتم في الذّودِ عنه، وضَحَّيتم جميعاً من أجله، ودافعتم عن تُرابه الطّاهر، و نقول لكم أيها الإخوة الأبطال: نحن على العهد، فنحن ننتظر ساعة الفرج لكم ، وإنّها لَقريبة ... قريبة بإذن الله سبحانه وتعالى.

أيّها الأسرى البواسل: إنّنا نُشيد بصمودكم وثباتكم وإرادتكم الصّلبة، فقد ضربتم أروع الأمثلة في وحدتكم في مُواجهة مصلحة السّجون الإسرائيليّة، ووقفتم صفًّا واحداً ضِدَّ الإجراءات الظّالمة التي تقوم بها مصلحة السّجون الإسرائيليّة؛ مِمَّا أدّى إلى تراجعها وخضوعها لتلبية مطالبكم العادلة.

أيّها الأسرى الأحرار: ستخرجون بإذن الله، وسنفرح بخروجكم من السّجن وحرّيّتكم، وعودتكم سالمين إلى أهليكم، ويسألونك متى هو؟ قُلْ عسى أن يكون قريباً، فما بعد الضّيق إلا الفرج، وما بعد العُسْر إلا  اليُسْر،  فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنّ الفجر آتٍ بإذن الله .

أسرانا البواسل ... عنوان وحدتنا

لقد نجح أسرانا الأبطال في سجون الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق كافة مطالبهم وانتزاع حقوقهم مُجَدَّدًا من إدارة مصلحة السّجون الإسرائيلية، التي رضخت لهذه المطالب بعد ساعات فقط من بدء نحو ألف أسير من مُختلف السجون والتنظيمات إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، لِيُوقف هؤلاء الأسرى بعد ذلك كافة خُطواتهم التصعيدية بما فيها الإضراب عن الطعام الذي كانوا قد بدأوه قبل ساعات.

ويرجع السبب الرئيس في هذا الانتصار الذي حقّقته الحركة الأسيرة في هذه المعركة النضالية إلى وحدتها ووقوفها صفًا واحدًا في مواجهة إدارة مصلحة السجون، وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الوحدة هي أساس أيّ انتصار على الاحتلال الإسرائيلي.

إِنّ الوحدة التي حَقّقَها أسرانا الأبطال داخل السّجون يجب أن تنتقل لوحدة خارج قلاع الأَسر، فشعبنا الفلسطينيّ في أَمسّ الحاجة لتوحيد الصّفّ الوطنيّ وتحقيق الوحدة الفلسطينيّة وإنهاء الانقسام البغيض، وفتح صفحة جديدة من الأخوّة والمحبّة؛ لذلك فإِنّ الواجب علينا أن نُوَحِّد كلمتنا، ونَرُصَّ صفوفنا؛ لنستعيد وحدتنا فهي سِرُّ قوتنا وعزّتنا وكرامتنا، وهي طريقنا نحو تحقيق الانتصارات وَمُضاعفة الإنجازات، ولنِتَصَدّى جميعاً للهجمة الإجراميّة على أقصانا ومَسْرانا وأسرانا ومُقدّساتنا وعاصمتنا وبلادنا المُباركة.

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

  1. سورة الإنسان الآية (8) 
  2. أخرجه الطبراني            
  3. أخرجه البخاري    
  4. أخرجه البخاري     
  5. أخرجه الشيخان