2022-10-06

الإسلام دعوة إلى التفاؤل والأمل


2022-09-16

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

إِنَّ ديننا الإسلاميّ الحنيف يَغْرِسُ في قلوبنا بذور التّفاؤل والأمل والرّجاء، فالإسلام حَرّم اليأس وأوجد البديل وهو الأمل، وحَرّم التّشاؤم وأوجد البديل وهو التّفاؤل؛  لذلك فإنّنا نرى صاحب الأمل الكبير ، عالي الهِمَّة، دءوب العمل، كثير البذل، سريع التّضحية ، بعكس الآخرين العاجزين، ومن المعلوم أنّه بقدر تفاوت الناس في آمالهم وأعمالهم تتفاوت عزائمهم، كما قال الشاعر :

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تأتي العَزائِمُ        وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صِغَارُها       وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

إِنَّ ديننا الإسلاميّ يدعو إلى الأمل والتّفاؤل، فالتّفاؤل من الصّفات المُهِمَّة لأيّ إنسان يَنْشدُ السّعادة والنّجاح، ورسالة الإسلام لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا التّشاؤم.

الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – ينهى عن التّشاؤم والتّطيّر

من المعلوم أنَّ ديننا الإسلامي الحنيف قد شدّد على وجوب الرّضا بقضاء الله وقدره، وأن نكون دائماً مُتفائلين غير مُتشائمين؛ لأنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم –  كان يُعجبه التّفاؤل ويدعو إليه، حيث وردت عدة أحاديث شريفة تُبَيِّن أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – كان يُحبّ الفأل ويكره الطِّيَرَةَ، منها، قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ، قالوا: وَما الفَأْلُ؟ قالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)(1)، كما كان – صلّى الله عليه وسلّم – يُوجِّه أصحابه قائلاً : ( يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا  ولا تُنَفِّرُوا)(2 ).  

نماذج من التّفاؤل النّبويّ

إِنَّ التّفاؤل من الصّفات الحميدة التي يُحبّها رسولنا الكريم – صلّى الله عليه وسلّم-، وهو من آثار حُسْن الظّنّ بالله سبحانه وتعالى والرّجاء فيه، ومن المعلوم أَنَّ التّشاؤم واليأس أَمْرٌ يفتكُ بالأمم؛ لذلك فقد دعانا ديننا الإسلامي الحنيف إلى التّفاؤل والابتعاد عن التّشاؤم.

ومن الجدير بالذكر أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم– كان مُتفائلاً في جميع أحواله، فيوم اجتمع أعداء الإسلام من كلّ حدب وصوب لمحاربة المسلمين في غزوة الخندق، كان المسلمون في حالة صعبة كما وصفهم القرآن الكريم :{إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا*هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}(3)، ومع ذلك كان الرّسول  – صلّى الله عليه وسلّم- على ثِقَةٍ ويقين وتفاؤل بنصر الله سبحانه وتعالى، وبشَّر الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين - بأنّ نصرَ الله آتٍ، فعندما اعترضتهم صخرة صلدة أثناء حفرهم للخندق، ضربها - صلّى الله عليه وسلّم-  بفأسه، وإذ بثلاث شرارات تتطاير، فقال-صلّى الله عليه وسلّم-: أبشروا: أمّا الأولى فقد أضاء الله لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأمّا الثّانية فقد أضاء الله لي منها قصور الحُمُر من أرض الرّوم، وأمّا الثّالثة فقد أضاء الله لي منها قصور صنعاء، فإنّ الإسلام بالغٌ ذلك لا محالة،  وهذا التّفاؤل بنصر الله عزَّ وجلَّ كان مُرافقاً للرّسول - صلّى الله عليه وسلّم -  في حِلِّه وترحاله.   

ثقة وأمل في الله عزَّ وجلَّ

من خلال دراسة التّاريخ الإسلاميّ من مصادره الموثوقة نُلاحظ أَنَّ الخطّ البيانيّ للتّاريخ الإسلاميّ مُتعرّج، ينخفض انخفاضاً شديداً، ويرتفع ارتفاعاً شديداً، ويعلو ويهبط وفق القانون الإلهيّ كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (4 ).

لقد هبط أمرُ المسلمين في قرون مضت حتى اغْتُصِبَ الحجر الأسود، أخذه القرامطة قسراً، وظلَّ عندهم نحو ربع قرن، فما عاد إلاَّ بعد لأي.

وهبط مستوى التّاريخ الإسلاميّ إلى الحضيض، يوم دخل التّتار بغداد وقتلوا الخليفة وأذّلوا الأمّة الإسلاميّة أشدَّ الذُّلِّ، ولكنَّ هذا التاريخ الذي هبط سرعان ما علا وارتفع، فما مضى قرنٌ حتى كان المسلمون يدقّون أسوار فيينّا –عاصمة النّمسا- ، ثم قبل ذلك وصلوا مُخترقين الأندلس إلى جنوب فرنسا إلى أواسط سويسرا، هذا التّاريخ الذي يتأرجح بين مَدٍّ وَجَزْرٍ حقيقة لا بُدَّ من الاعتراف بها.

ونحن في هذه البلاد المُباركة ورغم كلّ الصّعاب والظّروف القاسية والمُؤلمة، ورغم ما يتعرّض له شعبنا الفلسطينيّ المرابط وقضيّتنا العادلة من مؤامرات عديدة، وما تتعرّض له المدينة المقدسة وقلبها  المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم محمّد –صلّى الله عليه وسلّم - من اعتداءات وانتهاكات ومؤامرات؛ تمهيداً لإقامة ما يُسَمَّى بالهيكل المزعوم على أنقاضه – لا سمح الله-، وما يتعرّض له أسرانا البواسل من إهمال طبيّ وإجراءات تَعَسُّفيّة وجرائم عديدة بحقّهم، إلا أنّ ثقتنا في الله سبحانه وتعالى كبيرة، فالآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة الشّريفة فيها ما يُطمئن القلوب ويبعث الأمل في النفوس والثّقة بنصر الله عزَّ وجلَّ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يُخلف وعده، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنّ الفجرَ لآتٍ بإذن الله  سبحانه وتعالى، فعلى أرض فلسطين المباركة هُزِم الصّليبيّون في معركة حطين، كما هُزِم التَّتَار في معركة عين جالوت، ووقف نابليون بونابرت القائد الفرنسيّ عاجزاً أمام احتلال مدينة عكّا، وألقى بِقُبَّعَتِهِ من فوق أسوارها،  فبلادنا المباركة قد لفظت المحتلين عبر التّاريخ وستلفظ هذا المُحتلّ إن شاء الله تعالى، ويسألونك متى هو ؟! قل عسى أن يكون قريباً.

ونقف عند البشارة التي بَشّرنا بها رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – في الحديث الشّريف: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)(5).

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

  1. أخرجه البخاري                
  2. أخرجه البخاري                
  3.  سورة الأحزاب الآية( 10-11)
  4.  سورة آل عمران الآية (140)  
  5.  أخرجه أحمد