2022-10-07

الإسـلام ...والتكافل الاجتماعي


2022-09-23

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

أخرج الإمام مُسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ) (1).

هذا حديث صحيح أخرجه الإمام مُسلم في صحيحه في كِتَاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ ، بَاب فَضْلِ الاجْتِمَاعِ عَلَى تِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ.

إِنَّ للتّكافل الاجتماعيّ دورًا مُهِمًّا في تقوية أواصر المَحَبََّة وتوثيق العلاقات والرّوابط بين المسلمين، فالتّكافل الاجتماعي دَعامة أساسيّة من دعائم المجتمع، وله صُوَرٌ مُتعدّدة من التّعاون والتّراحم والمُساعدة وقضاء الحوائج وتفريج الكُرَب والنُّصرة والمُواساة؛ لذلك فقد أمرنا ديننا الإسلاميّ الحنيف بضرورة التّعاون على البِرّ والتّقوى، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(2)، وضرب رسولنا– صلّى الله عليه وسلّم – للمؤمنين مثلاً يُعرفون به ويحرصون عليه، في قوله– صلّى الله عليه وسلّم -: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ  مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(3)، وقوله- صلّى الله عليه وسلّم - أيضاً: ( الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)(4).

فضل التّكافل في الإسلام

يُعَدُّ التّكافل الاجتماعي في الإسلام نظاماً كاملاً مُتكاملاً وشاملاً، يسعى إلى تحقيق العيش الكريم لكل فرد في المجتمع، فإذا مَا حلَّ بالمجتمع غلاءٌ أو حاجة، فإنَّ من الواجب على المسلمين أن يتعاونوا على سَدّ حاجة المحتاجين ويتكاتفوا لقضاء حوائج الفقراء والمساكين، فقد أثنى رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- على الأشعريّين الذين كانوا في وقت الحاجة يتضامنون فيما بينهم ، يتضامن صاحب السّعة مع المُحتاج، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى- رضي الله عنه- قَالَ: ( قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ )(5). 

وقد ذكرت كُتُبُ السّيرة أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- رأى شيخاً مُتوكِّئاً على عصاه وهو يسأل النّاس، فسأل عنه، فقيل: إنّه كتابيّ، وفي رواية- نصرانيّ-فقال : (خذوا هذا وضُرباءه إلى بيت المال، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته وتركناه عند شيبه)(6).

أحبُّ الناس إلى اللَّهِ تعالى أنفعهمْ للنّاس

إِنَّ ديننا الإسلامي الحنيف  جعل إدخال السّرور على النّاس من أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى ، وأحبّ النّاس إلى الله  سبحانه وتعالى هو أنفعهم للنّاس، حيث إنّه يُساعِدُ النّاس، فلا يأتيه مريض أو فقير أو مُحتاج إلاّ أعانه، فهو يقضي حوائجهم وَيُفرِّج كُرُباتهم ويُغيث الملهوفين منهم، فقضاء حوائج النّاس وتنفيس الكُرُبات عنهم وفعل المعروف معهم وعمل الخيرِ لهم، صفات كريمة ينبغي على المسلم أنْ يتحلّى بها، كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ) (7) .

 من صُوَرِ التكافل.... تفريج كُرَب المكروبين 

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال : (المُسْلمُ أَخُــو المُسْلم، لا يَظلِمُه ولا يُسْلِمُهُ ، ومَنْ كَانَ فِي حَاجةِ أَخِيهِ، كانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ، ومنْ فَرَّجَ عنْ مُسلمٍ كُرْبةً ، فَرَّجَ اللَّهُ عنه كُرْبةً من كُرُبَاتِ يَوْمِ القيامةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَةِ )(8).

في هذا الحديث الشّريف تجتمع بعض الأُسُسِ التي يقوم عليها التّكافل بين المسلمين، ففيه فضل قضاء حوائج المسلمين ورعايتهم بما تيسَّر من المال والعون والمساعدة، وفيه حُرمة ظُلم المسلم لأخيه المسلم ، ووجوب عدم تركه مع مَنْ يؤذيه، بل وجبت عليه نُصرته والدّفاع عنه والوقوف إلى جانبه في مُصيبةٍ أو كُربةٍ نزلت به ، ووجوب ستره من قبيح فعلٍ فلا يفضحه بل يُسْدِي إليه النّصح سِرّاً.

الإسلام يحثُ على التكافل

إِنَّ التّكافل الاجتماعي في الإسلام بناء تشريعيّ مُتكامل، ونظام اجتماعي شامل، هدفه الأسمى هو ضمان العيش الكريم لكل فردٍ في المجتمع، وذلك بالتّعاون على الخير والبرّ، وتبادل العون والمُساعدة بين النّاس، فإنّ للتّكافل أجراً عظيماً وثواباً كبيراً أعدّه الله سبحانه وتعالى لمن رسم البسمة على شفاه المحرومين ، وأدخل السّعادة والسّرور على قلوب الفقراء والمحتاجين، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَطْعَمَ مُؤْمِنًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَـأ سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ )(9)، ولا يختصّ ذلك  الأجر الكبير بالأمور الثّلاثة المذكورة في الحديث فقط؛ لأنّ مُساعدة المسلم لأخيه المسلم ليست مقصورة على إطعامه أو سقيه الماء أو كسوته، بل تكون في جميع شئون حياته.

التّكافل الاجتماعيّ في المدينة المنوّرة

ذكرت كُتُب السّيرة أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم –  عندما انتقل إلى المدينة المنوّرة وتبعه إخوانه من المُهاجرين، آخى – عليه الصّلاة والسّلام - بين المُهاجرين والأنصار، هذه المُؤاخاة التي كانت وما تزال مضرب الأمثال في التاريخ ، والتي كانت نقطة الضّوء التي لا تنطفئ ، بل ستظلّ ساطعة مدى الحياة، ففي هذه المُؤاخاة  بين المهاجرين والأنصار نرى مظهراً من مظاهر عدالة الإسلام، فالمهاجرون قوم تركوا  كلَّ ما يملكون في سبيل الله، والأنصار قوم أغنياء ، فكان  أن حمل الأخ أخاه، واقتسم معه ما يملك، فأنزله في بيته، وأعطاه شَطْرَ ماله، حتى إنّ الرجل منهم، مِمَّن كان يجمع في عصمته زوجتين أو أكثر، كان يعرض على أخيه في الله أن يُطَلِّق له من شاء من زوجاته ، ليتزوّجها ذلك الأخ المُهاجر ،  فيا لها من أُخوّة عظيمة لا مثيلَ لها.

لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الأنصار في قوله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (10)، كما أثنى رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – عليهم ثناءً عظيماً بعد ثناء الله عليهم، فقال – عليه الصّلاة والسلام- : ( لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنََ الأَنْصَارِ) (11) ، وقال – صلّى الله عليه وسلم- أيضاً: (لَوْ سَلَكَت الأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ)(12 ).

هذا هو المجتمع الإسلامي الأول، مجتمع الحبّ والتّعاون والتّراحم والتّكافل والتّعاضد يا أمّة الإسلام ، فأين نحن اليوم من هذه المواقف الإيمانيّة ؟!!

فما أحوج أبناء شعبنا وأبناء أمّتنا العربيّة والإسلاميّة إلى التّكافل والتّعاون والتّراحم فيما بينهم، وأن يتعاونوا على مُساعدة الفقراء والمعوزين، وإدخال السّرور على القلوب الحزينة بما أفاء الله عليهم من النّعم، ومُساعدة المرضى خصوصاً أصحاب الأمراض المُزمنة وتوفير العلاج لهم، وكذلك مساعدة الطّلاب الفقراء خصوصاً في رسومهم الجامعيّة والمدرسيّة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، والله لا يُضيع أجرَ من أحسن عملاً كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}(13).

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش :

  1. أخرجه مسلم     
  2. سورة المائدة الآية (2)       
  3. أخرجه البخاري                 
  4. أخرجه الشيخان   
  5. أخرجه البخاري       
  6. كتاب الخراج لأبي يوسف
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير
  8. أخرجه  البخاري
  9. أخرجه الترمذي       
  10. سورة الحشر الآية(9)
  11. أخرجه البخاري                     
  12. أخرجه البخاري     
  13. سورة الطلاق الآية (2-3)