2022-11-28

في ظلال ذكرى المولد النبوي


2022-09-30

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

في مثل هذا الشّهر المُبارك  - شهر ربيع الأول- وُلِدَ سيِّدنا محمّد بن عبد الله – صلّى الله عليه وسلّم- ، فكان مولده بدءاً لتغيير مجرى التّاريخ ، وإصلاح الحياة، وإيذاناً بهداية البشريّة، فقد جاء - صلّى الله عليه وسلّم- هادياً للبشريّة من الحيرة والضّلال إلى الهُدَى والرَّشاد، وأخرج الله سبحانه وتعالى  به النّاس من الظّلمات إلى النّور، ودعا– صلّى الله عليه وسلّم –  إلى الخير والإصلاح والعدالة والمُساواة فكان بحقٍّ رحمة للعالمين، فمولده – عليه الصَّلاة والسَّلام – نعمة عظيمة  على البشريّة جمعاء، وعلى الأمّة الإسلاميّة بصورة خاصّة،  كيف لا؟ والله عزَّ وجلَّ قد ذكر ذلك في كتابه الكريم : {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (1)، ورحم الله القائل:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِنات ضِياءُ       وَفَمُ الزَمــــانِ تَبَسُّـــمٌ وَثَناءُ

ميلاده – صلّى الله عليه وسلّم-  ميلاد أمة

لقد كان ميلاد رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم-  ميلاد أُمَّة ، حيث جاء – عليه الصَّلاة والسَّلام – على أُمَّة مُمَزّقة مُبَعثرة تعبد الحجر والشّجر، فجعلهم قادة للبشر، وكانت ترعى الغنم فصارت قائدة للأمم ، كان زعيمهم وقتئذ يذهب إلى سَيّده من الأكاسرة أو القياصرة يقف بين يديه ذليلاً؛ ليقول له: عبدك النّعمان ماثلٌ بين يديك ، فأخذ – صلّى الله عليه وسلّم-   بأيديهم من الذّلة إلى العزّة ، ومن الضّعف إلى القوّة، ومن التّفرّق إلى الوحدة ، فأصبحت هذه الأمّة ذات شأن ومكانة في العالم أجمع، حيث اتّصفت هذه الأمّة بميزتين، الأولى : الخيريّة : كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {كُنتُم ْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللّهِ}(2 )، والثانية : الوسطيّة: كما جاء في قوله عزّ وجلَّ:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(3).

رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم-  سَيـِّد ولد آدم

جاء في الحديث الشّريف أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- قال : ( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلا فَخْرَ)(4 ). 

ومن المعلوم أنّ رسولنا - صلّى الله عليه وسلّم–  وُلد بمكّة المكرّمة يوم الاثنين  الثّاني عشر من شهر ربيع الأوّل عام الفيل، (وأمَّا كونه وُلد عام الفيل فذلك مقطوع فيه ، ولكن اختلفوا في اليوم والشّهر، والجمهور على أنّه في الثّاني عشر من ربيع الأوّل كما نصَّ عليه ابن اسحاق في السّيرة ، وَرُوِي عن ابن عبّاس – رضي الله عنهما-  أنه قال : "وُلِدَ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – عام الفيل يوم الاثنين، الثّاني عشر من شهر ربيع الأوّل، وفيه بُعِث ، وفيه عُرِج به إلى السّماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات"، قال ابن كثير في البداية والنّهاية : وهذا هو المشهور عند الجمهور ) (5).

وما أرسلناك إلا كافّة للنّاس بشيراً ونذيراً

 لقد خصَّ الله سبحانه وتعالى  نبيَّنا – صلّى الله عليه وسلّم- بأنْ أرسله للنّاس كافّة  دون سائر الأنبياء، حيث إِنّ كلّ نبيٍّ كان يُرْسَل إلى قومه خاصّة، كما جاء في القرآن الكريم عن  سيِّدنا عيسى - عليه الصّلاة والسّلام-:{وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (6) ، وعن سيِّدنا  هود- عليه الصّلاة والسّلام- : {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً }(7) ، وعن  سيِّدنا صالح- عليه الصّلاة والسّلام-: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}(8) ...إلخ، في حين أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – بُعث إلى النّاس كافّة كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا }(9) ، وكما جاء في الحديث الشّريف: ( فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النّبِيُّونَ) (10) ،  فهو – صلّى الله عليه وسلّم – خاتم النّبيين كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}(11) ، وكما جاء في الحديث: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ )( 12).

 اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي

إِنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- مُحِبٌ لأمته، ناصِحٌ لها، مُشْفِقٌ عليها، فقد رفع– صلّى الله عليه وسلّم– يديه مُبْتهلاً إلى ربّه – سبحانه وتعالى وقال : )اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي- وَبَكَى- فَقَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ- وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَاسْأَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللّهِ -صلّى الله عَليه وسلّم - بِمَا قَالَ- وَهُوَ أَعْلَمُ- . فَقَالَ الله: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ) (13 ) .

رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم-  ووحدة الأمة

ونحن نتفيّأ ظلال هذه الذّكرى الطَّيِّبة فإِنَّنا نتذكّر أمجاد أُمّتنا الإسلاميّة يوم سارت على هدي نبيِّنا – صلّى الله عليه وسلّم- وأصبحت أُمّة واحدة مُتماسكة، فطأطأ لها الجميع إجلالاً واحتراماً، فالواجب علينا أنْ نستجيب لدعوته – صلّى الله عليه وسلّم - وألاّ نتفرّق وألاّ نتشرذم، وألاّ يحمل أحدنا حِقْداً على أخيه، وأنْ نتحابب فيما بيننا،  وأنْ نكون أُمَّة واحدة ، فَسِرُّ قوتنا في وحدتنا وإنَّ ضعفنا في فُرقتنا وتخاذلنا، فالوحدة أساس كلّ خير في دنيا النّاس وآخرتهم، وإنَّ الفُرقة أخطر الآفات التي تقضي على سعادة النّاس وتُرديهم في مهاوي التّهلكة، فقد أكّد ديننا الإسلاميّ على أنّ الأمّة الإسلاميّة أمّة واحدة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:  {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (14 )، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(15)، وقد ضرب رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم –  للمؤمنين مثلاً يُعرفون به ويحرصون عليه، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم –: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )( 16)، وقوله- صلّى الله عليه وسلَّم- أيضاً : (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا )(17)، أولئك هم المؤمنون حقًّا، الذين يتعاونون فيما بينهم على البرِّ والتّقوى، فالإسلام هو الضّمان الوحيد لوحدة هذه الأمّة، وهو الضّمان الذي يُبقى عليها، فلا تتفرّق ولا تتشتّت ولا تتشرذم، ولا يُعادي بعضها بعضاً ولا يقتل بعضها بعضاً.

إِنَّ شعبنا الفلسطينيّ وأُمَّتنا العربيّة والإسلاميّة أحوج ما يكونون إلى الوحدة والمحبّة ورصّ الصّفوف وجمع الشّمل وتوحيد الكلمة، خصوصاً في هذه الظّروف الصّعبة التي تمرّ بها قضيّتنا الفلسطينيّة والمنطقة العربيّة والإسلاميّة.

لقد كان ميلاد رسولنا محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – نُقطة تحوّل هائلة في تاريخ البشريّة، وفاتحة خيرٍ على الدّنيا بأسرها، وحين صافح سَنَاهُ الوجود أشرقت الأرض بنورِ رَبِّها، وتهاوت قلاع الشّرك والوثنيّة، وارتفعت راية التوحيد وانتصر الحقّ وزهق الباطل، ولم يعرف التاريخ شخصيّة أبعد أثرًا في النّفوس وأعمق تأثيرًا في القلوب من محمّد– صلّى الله عليه وسلّم – ، الذي نال منزلة دونها كلّ منزلة، واستأثر بحبٍّ يتضاءل أمامه كلّ حبٍّ سوى حُبِّ الله –سبحانه وتعالى-، ونحن في ذكرى مولدك يا سيدي يا رسول الله: نشهد أنّك قد بلّغتَ الرّسالة، وأدّيتَ الأمانة، ونصحتَ الأمّة، فجزاك الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء.

هذا هو نبيّنا – صلّى الله عليه وسلّم- الذي أرسله ربّه رحمة للعالمين، فعلينا أن نسيرَ  على هديه، ونتّبع منهجه، حتى نكون من السّعداء في الدّنيا والآخرة.

اللهم أحينا على سُنّته، وأُمَّتنا على مِلّته، واحشرنا في زُمْرته، واسقنا يا ربّ من حوضه الشّريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، آمين ... يا ربّ العالمين.

وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1-      سورة آل عمران، الآية(164)

2-      سورة آل عمران، الآية(110)

3-      -سورة البقرة، الآية (143)

4-      أخرجه الترمذي

5-      النبوة والأنبياء للصابوني ص214

6-      سورة آل عمران، الآية(49)

7-      سورة الأعراف، الآية(65)

8-      سورة الأعراف، الآية (73)

9-      سورة سبأ، الآية (28)         

10-   أخرجه مسلم     

11-   سورة الأحزاب، الآية(40)

12-   أخرجه البخاري  

13-   أخرجه مسلم      

14-   سورة المؤمنون الآية (52)

15-   سورة الأنبياء الآية (92)

16-   أخرجه البخاري

17-   أخرجه الشيخان