2022-11-28

نداء من الجزائر لفلسطين ... الوحدة الوحدة


2022-10-14

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)( 1) .

 يستبشر أبناء شعبنا الفلسطيني -داخل الوطن وفي أماكن تواجده كافّة- خيراً بالمُبادرة الجزائريّة لتحقيق المُصالحة الفلسطينيّة وإنهاء الانقسام، حيث تجتمع الفصائل الفلسطينيّة في بلد المليون ونصف المليون شهيد من أجل استعادة الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة وإنها الانقسام البغيض،  راجين من الله العليّ القدير  أن يَمُنَّ علينا بجمع الشّمل، وإصلاح ذات البيْن، وتوحيد الكلمة، فليس هناك بعد تقوى الله  – عَزَّ وجَلَّ- أنفع لنا من الوحدة والمحبّة ورصّ الصفوف، وليس هناك أشدّ ضرراً علينا من الفُرقة والاختلاف، وبهذه المناسبة فإنّنا نتوجّه إلى أشقّائنا الأعزّاء في الجزائر بجزيل الشّكر والتّقدير على مُبادرتهم الكريمة وحرصهم على تحقيق المُصالحة الفلسطينيّة، وهذا ليس غريباً على بلد المليون ونصف المليون شهيد، فجزاهم الله خير الجزاء.

وقد لاقت هذه المُبادرة المُباركة ترحيباً كبيراً من جميع القيادات الفلسطينيّة وألوان الطّيف السّياسيّ الفلسطينيّ وجميع أبناء شعبنا الفلسطينيّ المُرابط، مقرونة بالشّكر للجزائر قيادة وشعباً، مصحوبة بالدّعاء إلى الله العلي القدير أن يحفظ شعبنا وأمّتنا العربيّة والإسلاميّة من كلّ سوء، إنّه سميع قريب.

إِنَّ حبّ الجزائرييّن لفلسطين حُبٌّ مُنقطع النّظير، فالجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة كما قال الرئيس الجزائري الأسبق هواري بو مدين- رحمه الله- ، وهذه المُبادرة تُعَدُّ امتدادًا لدور الجزائر -قيادةً وشعباً- في نُصرة القضيّة الفلسطينيّة العادلة، فالشّعب الجزائريّ الشّقيق عبر تاريخه المُشرق يُدافع عن القضيّة الفلسطينيّة دفاعاً شريفاً كلّه عزيمة وبطولة وإيمان.

الوحدة ...طوق النّجاة

إِنّ شعبنا الفلسطينيّ اليوم وفي ظلِّ الظروف الصّعبة التي يمرّ بها  أحوج ما يكون إلى الوحدة، فالقدس لم تُحَرَّر عبر التّاريخ إلا بالوحدة،  ولن تتحرّر إلا بالوحدة، فإذا كُنّا مُوَحَّدين فإنّ جميع المؤامرات ضِدّ شعبنا الفلسطينيّ سيكون مصيرها الفشل بإذن الله تعالى، فعلى صخرة الوحدة تفشل التّهديدات وتتحطّم المُؤامرات الخبيثة التي تُُحاك ضِدّ شعبنا المرابط وأرضنا المُباركة.

ومن المعلوم أنّ ديننا الإسلامي الحنيف يُبَغّض إلينا أن نختلف؛ لأنّ الاختلاف أوّل الوهن وباب الفشل والضّياع، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(2)، بل إنّه لَيُحَذّرنا من أن نسيرَ على نهج المُتفِّرقين، أو أَنْ نقتدي بهم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى أعدَّ لهم أسوأ العقاب؛ جزاءَ تفرّقهم كما جاء في قوله تعالى:{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(3).

خيرهما الذي يبدأ بالسّلام

لقد ذكر الشّيخ / أحمد محمد عسَّاف في كتابه الحلال والحرام في الإسلام : {أنّ سيّدنا الحسين  – رضي الله عنه – قد تخاصم مع أخيه محمد بن الحنفيّة- رضي الله عنه-، وكان محمّد أخاه من أبيه، وبعد أيّام كتب محمّد بن الحنفيّة لسيّدنا الحسين رسالة جاء فيها: "السّلام عليك ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد، أرجو إذا أتاك كتابي هذا أن تُبَادر إليّ بالسّلام؛ لأَنّي أجدُ من الواجب عليّ أنْ آتي إليك، ولكن بِمَا لَكَ عليَّّ من الفضل وأَنَّ أُمَّك أفضل من أُمِّي ، فأُمّك فاطمة بنت رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- وأُمِّي امرأة من بني حنيفة، وقد سمعتُ أبانا عليًّا – رضي الله عنه – يقول عن جَدِّكَ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- : (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ, فَيُعْرِضُ هَذَا، ويُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ)؛ لذلك أرجو أنْ يكون الفضل لَكَ بقدومك إِليّ "، فما أَنْ وصل كتاب محمّد بن الحنفيّة إلى سيّدنا الحسين حتى قام لساعته ولبس رداءه ونعليه، وذهب إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، فالتقى به في منتصف الطّريق، فتعانقا وتصالحا وبكى الاثنان، وذهب ما بينهما من خُصومة وجفوة}(4).

هذا هو التّطبيق الحقيقيّ لمعنى الأُخُوّة والحبّ في الله الذي زرعه رسولنا الكريم- صلّى الله عليه وسلّم- في قلوب المسلمين، وربّاهم على ذلك، فطرحوا الأحقاد التي تُفسد كلّ شيء، وتركوا الضّغائن التي لا تُهلك إلا أصحابها، فما أحوجنا إلى التطبيق العملي لِمِثْلِ هذه المواقف الأخويّة الصّادقة وتحقيق الوحدة!.

نداء إلى الفصائل الفلسطينيّة

إِنّ شعبنا الفلسطينيّ يتطلّع إلى ضرورة الاستجابة لهذه الجهود الجزائرية المباركة، وذلك بالعمل على تحقيق الوحدة الفلسطينيّة وإنهاء الانقسام، وفتح صفحة جديدة من الأخوّة والمحبّة، فقد آن لنا أن نتساءل :

ألم يكفنا ما تتعرّض له مقدّساتنا  وفي مقدّمتها المسجد الأقصى المُبارك من اعتداءات مُتكرّرة ؟!

ألم يكفنا ما تتعرّض له بلادنا المُباركة من سَلْب ونهب ومُصادرة وتدمير ؟!

ألم يكفنا ما يتعرّض له شعبنا الفلسطينيّ المُرابط – رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً- مِنْ قتلٍ وتشريد؟!

أنسينا شهداءنا  الأبطال الذين رَوَوْا بدمائهم ثرى هذا الوطن الغالي ؟!

ماذا نقول لأسرانا البواسل الذين ضَحَّوا بحرّيّتهم وما زالوا ينتظرون ساعة الفرج؟

ألم يقل الشّاعر: إِنَّ المصائب يجمعن المُصَابينا...؟!؛ لذلك فإِنّ الواجب علينا أن نُوَحِّد كلمتنا، ونرصَّ صفوفنا؛ لنستعيد وحدتنا فهي سِرُّ قوتنا وعزّتنا وكرامتنا، ولنِتَصَدّى جميعاً للهجمة الإجراميّة على المسجد الأقصى المُبارك قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيّهم محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، ولنعمل معاً وسويًّا على إقامة الدولة الفلسطينيّة المُستقلّة وعاصمتها القدس الشّريف إن شاء الله تعالى، وخروج جميع الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى وطنهم إن شاء الله .

 اللّهم اجمع شملنا، وَوَحِّد كلمتنا، وَألّفْ بين قلوبنا، يا ربّ العالمين

وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:
1-سورة آل عمران، الآية (103)
2-سورة الأنفال، الآية (46) 
3-سورة آل عمران، الآية (105)
4-الحلال والحرام في الإسلام  للشيخ / أحمد عساف ص501