2022-11-28

أضواء على اليوم العالمي للطفل


2022-11-18

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطَّيبين الطَّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسارَ على دربهم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} (1).

 تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى اليوم العالمي للطفل، والتي تأتي في العشرين من شهر نوفمبر من كلّ عام، ونحن في كلّ مناسبة نُبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينةٍ من أمور دينه.

إِنَّ الأبناء هبةُ الله تعالى للآباء، تقرّ العينُ برؤيتهم، فأبناؤنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، وهم فلذات الأكباد وَسَند السّواعد وزينة الحياة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وللمحافظة على نعمة الولد وشكر الله سبحانه وتعالى عليها، فلا بُدَّ من القيام بحُسْن تربية الأطفال وتأديبهم بالآداب الحسنة ورعايتهم الرعاية الكريمة؛ لأَنَّ أطفال اليوم هم شباب الغد، فعلى عاتقهم تُبنى النّهضات، وتُكَوَّن أرقى المجتمعات، كيف لا؟ وهم قلبها النّابض، ودمها المُتدَفِّق، وبحرُ علمها الفيّاض، وسبب تقدّمها وازدهارها، فالمسؤولية في تربيتهم  تقع على عاتق الوالدين، لقوله– صلّى الله عليه وسلّم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وََمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، ...)(2). 

 ومن المعلوم أَنَّ مُهِمّةَ تربيةِ الأطفال مُهِمَّةٌ جليلة، خصوصًا في هذه الأوقات، فليس دوركم أَيُّهَا الآباء الكرام هو توفير الأمور المادية فقط، بل هذا واجب عليكم تجاه أطفالكم ، ولكنْ أيُّهَا الآباء عليكم واجب أعظم من ذلك، وهو تَحَمُّل المسؤولية الكبرى في تربية أطفالكم وتعليمهم ومتابعتهم، وغرس القيم والآداب والأخلاق الإسلامية في نفوسهم، وحَثِّهم على قراءة القرآن الكريم وحفظه، حتى يَشبّوا على مائدة القرآن الكريم، فَتُهذّب أخلاقهم وَتُصَفّى نفوسهم.

الإسلام ... وعنايته بالأطفال  

إِنَّ الأطفال هم أمل الأمّة، وعِزّها المجيد، ومجدها التّليد، وهم شباب الغد ورجال المستقبل؛ لذلك فقد  عُني الإسلام بالأبناء عناية كبيرة من المهد إلى اللّحد بصفة عامة، كما عُني بمرحلة الطفولة بصفة خاصة، ومن أجل ذلك فقد حَرَّم الإسلام  الزّنا؛ لأَنَّ فيه ضياعاً للنّسل وخلطاً للأنساب، كما اعتبره فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً ، وأوجد البديل ألا وهو الزواج؛ لذلك دعا رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- إلى بذل الجهد في اختيار الزوجة الصالحة، كما حَثَّ على تحصين الولد عند وضع النطفة في الرَّحم كما جاء في السُّنّة النبوية، ومن المعلوم أَنَّ حفظ النّسل أمرٌ ضروري ،حيث اتفقت الدّيانات السماوية على وجوب صيانة الأركان الضرورية للحياة البشرية واحترامها، وهي: الدين و النّفس و العقل والنّسل والمال، فقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه "المستصفى:" أَنَّ حُرمة الضرورات الخمس لم تُبَحْ في مِلَّة قطّ"، أي أَنَّ الديانات السماوية قد أوجبت حُرْمة هذه الضرورات الخمس، كما أرشد ديننا الإسلامي الوالدين إلى وجوب تربية الأطفال والعناية بهم وتعويدهم على الفضائل ومكارم الأخلاق، وذلك بغرس بذور الإيمان في قلوبهم ورعاية جميع شئونهم؛ لأنّ الطفل إذا أُهمل فسدت أخلاقه وتَلَوَّثت طِبَاعه، فَمَنْ شَبَّ على شيء شَابَ عليه.

من وصايا الآباء للأبناء

من المعلوم أنّ وصايا الآباء للأبناء هي أنفع الوصايا وأحكمها وأنقاها، لأنها صادرة من الأصل إلى فرعه، ومن الوصايا الحكيمة تلك الوصايا الجامعة لكلّ خير، والتي ساقها القرآن الكريم على لسان لقمان الحكيم وهو يُوصي ابنه، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (3) .

عند دراستنا للآيات السابقة نجد أنها عبارة عن سبع وصايا عظيمة جامعة لِمَضامين التربية الإيمانية، ذكرها القرآن الكريم على لسان لقمان الحكيم الذي آتاه الله الحكمة، وهي:

* منها ما يتعلّق بحقوق الله عزّ وجلّ، كما في قوله سبحانه وتعالى: { يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ }.

* ومنها ما يتعلّق بحقوق الوالدين، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ }.

* ومنها ما يتعلّق بمراقبة الله –عزَّ وجلَّ- في السّرِّ والعلن ومحاسبة النفس، كما في قوله سبحانه وتعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}.

* ومنها ما يتعلّق بالعبادات التي تُطَهِّر النفوس، وذلك بالمحافظة على أداء الصلاة؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما في قوله سبحانه وتعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ِ}.

* ومنها ما يتعلّق بحقّ المجتمع الذي نعيش فيه، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ }.

* ومنها ما يتعلّق بأحداث الحياة وهمومها ومتاعبها، وذلك بالصّبر على المكاره، كما في قوله سبحانه وتعالى:{ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}.

* ومنها ما يتعلّق بالسّلوك الإنساني الذي يجعل صاحبه مُتواضعاً لا مُتكبراً، ومعتدلاً وليس مُنحرفاً، وذلك بالابتعاد عن التّكبر والغرور والتّطاول على الناس، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا }.

ما أحوج الآباء والمُربين إلى غرس هذه الوصايا في نفوس أبنائهم منذ نعومة أظفارهم، فإنّ الأبناء إذا شَبُّوا على هذه الفضائل، فإننا سنجد جيلاً كريماً من الأبناء يبني ولا يهدم، وَيُصلح ولا يُفسد.

حقوق الطفل في الإسلام

لقد  حفظت الشريعة الإسلامية الغرّاء للطفل حقوقه كاملة، حيث إنها تُغَطِّي جميع أطوار طفولته، كما وضعت ضمانات تصون هذه الحقوق في جميع الأحوال، وما كلّ ذلك الاهتمام بالطفل إلاّ لأنه الثروة التي تجب مراعاتها والحفاظ عليها، ولا يجوز بحال من الأحوال إهمالها أو التفريط فيها، فإنه بعض الحاضر، وكلّ المستقبل، وقد بيَّن الإسلام بأنّ للطفل حقوقاً عديدة ، منها:

*مرحلة ما قبل الميلاد: لقد أرشد ديننا الإسلامي الحنيف إلى وجوب اختيار الزوجة الصالحة، فقال –صلّى الله عليه وسلّم-: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) (4)، وقال – عليه الصّلاة والسّلام- أيضاً: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)(5).

* مرحلة ما بعد الميلاد : ويكون ذلك في خطوات كثيرة أهمها ما يلي :

أ- الأذان: وذلك بأن يكون الأذان في أُذنه اليمنى والإقامة في أُذنه اليسرى حين الولادة مباشرة، كما جاء في حديث أبي رافع قال: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلاةِ)(6)؛ كي تكون أول كلمات تصل إلى مسامعه هي كلمة التوحيد .

ب- العقيقة : والتي تُذبح احتفالاً بالمولود ذكراً كان أو أنثى، لقوله– صلّى الله عليه وسلّم-: (كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى)(7).

ج- تسمية المولود :فقد حثّ  رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- على اختيار  الأسماء الطيبة، فقال  – صلّى الله عليه وسلّم-:  (أحَبُّ الأسْماءِ إلى اللّه عَبْدُ اللّه وَعَبْدُ الرَّحْمَن، وأصْدَقُها‏:‏ حَارِثٌ وَهمَّامٌ)(8).

 وهناك حقوق أخرى مثل حقِّ الرضاعة، والنفقة والحضانة، والعدل بين الأولاد، وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة، وتجنيبهم رفقاء السوء، وغير ذلك من الحقوق التي أقرّها ديننا الإسلامي للطفل.

هذا هو ديننا الإسلامي الحنيف الذي يهتمّ بالطفل، وَيُوصِي به خيراً، بينما نرى اليوم ما يفعله المحتلون بأطفال فلسطين من قتل، وتشريد، وتنكيل، وتيتيم لهم، وتدمير لبيوتهم، وتجريف لمزارعهم،  ونحن نتساءل: متى يشعر أطفال فلسطين بالأمن والأمان والحرية كباقي أطفال العالم؟!!

  وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهوامش:

  1. سورة الكهف(46)       
  2. أخرجه البخاري          
  3. سورة لقمان الآية (13-19)
  4. أخرجه  البخاري                     
  5. أخرجه مسلم              
  6. أخرجه أبو داود والترمذي
  7. أخرجه أبو داود           
  8. أخرجه أبو داود والنسائي