2023-02-06

الإسلام...واليوم العالمي لحقوق الإنسان


2022-12-09

الخطبة الأولى :

أيها المسلمون :

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والتي تأتي في العاشر من شهر ديسمبر من كلّ عام ،ونحن في كلّ مناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينة من أمور دينه، وتُعَدُّ قضية حقوق الإنسان من أهمّ القضايا التي اشتغل بها الفكر المعاصر من المُتخصصين ومن غير المتخصصين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو هيئات...الخ.

ومن المعلوم أنَّ ديننا الإسلامي الحنيف هو أول من نادى بحقوق الإنسان وشدَّد على ضرورة حمايتها، فقد كان الإسلام سَبَّاقًا إلى الإقرار للإنسان بحقوقه، وإلى الحثِّ على صَوْنِ هذه الحقوق وحفظها، وإلى إحاطة هذه الحقوق بالرعاية وشمولها بالعناية، مع العلم بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة تحتفظ بكونها أعمق وأشمل من أيَّة قوانين وضعية، حيث سبقت بقرون إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة للميثاق العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من شهر ديسمبر لسنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد.

أيها المسلمون :

 لقد كان الإسلام سَبَّاقاً إلى الإقرار بحقوق الإنسان، والحثِّ على صَوْنِها وحفظها، حيث إِنّه أول من قرّر مبادئ حقوق الإنسان في أكمل صورة وفي أوسع نطاق، فقد أرسى دعائمها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً ، فهي جزء لا يتجزأ من الإسلام عقيدة وشريعة.

إِنّ حقوق الإنسان في الإسلام مِنَحٌ إلهية منحها الله لخلقه، فهي ليست مِنْحةً من مخلوق لمخلوق مثله، يَمُنُّ بها عليه ويسلبها منه متى شاء، بل هي حقوق قرَّرها الله سبحانه وتعالى للإنسان ، وحقوق الإنسان في الإسلام لها صفة الإلزام بالنسبة للمسلمين؛ لأنها من مقرَّرات الدين ، ولأنها تتضمن جزاءات دينية ودنيوية على من يخالفها، ومن المعلوم أنَّ حقوق الإنسان في الإسلام ترتكز على أربعة مبادئ عامة ، وهي: تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان، وحرية الإنسان، والمساواة بين الناس ، وإقامة العدل ومنع الظلم.

 ومن الجدير بالذكر أن كلَّ دارس للشريعة الإسلامية يعلم أنَّ لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته، فمن أول مقاصد الشريعة الإسلاميّة صيانة الأركان الضروريَّة للحياة البشرية وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وقد بيَّن الإسلام الأحكام الفقهية التفصيليّة التي تُمَثِّل سياجًا لصيانة هذه الضرورات وكيفيّة حمايتها والمحافظة عليها، حيث ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "المُستصفى" أنَّ حرمة الضرورات الخمس لم تُبَحْ في مِلَّة قط، وقال بذلك الإمام أبو اسحق الشاطبي في كتابه "الموافقات في أصول الشريعة"، ومن المعلوم أنَّ هذه الأمور لابُدَّ منها لإقامة الحياة الصالحة، فإذا فُقِدَ بعضها انهارت الحياة الإنسانيّة أو اختلت وفسدت.

  لقد حرص الإسلام عبر تاريخه المشرق على مراعاة حقوق الإنسان وضرورة صيانتها، وستبقى تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وخصائص شريعتنا الغرّاء ثابتة كالطّود الأشم، لن تهزها  عواصف هوجاء ولا رياح عاتية.

أيها المسلمون :

لا يخفى عليكم أنّ هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسُّنّة تُبين مدى اهتمام الإسلام بالإنسان، فقد حذَّر الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- من الاعتداء على الإنسان في أحاديث عديدة ، منها:  قوله- صلّى الله عليه وسلّم-: (‏لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (‏لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ‏لأَكَبَّهُمُ ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم – أيضاً : (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)، كما بَيَّن القرآن الكريم الغضب الشديد الذي يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لسلامة الإنسان وكرامته وعدم الاعتداء عليه وقتله ، فقال - عليه الصلاة و السلام- :( ‏لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْس،ِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَفارِقُ لدِينهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ).

أيها المسلمون :

لقد سبق الإسلام دُعاة حقوق الإنسان في العالم بقرون عديدة بإلغاء التفرقة العنصرية، والنظر إلى الناس نظرة المساواة التّامة التي لا تعرف التّمييز والتّفريق الذي عانت منه البشرية في مختلف عصورها، فالإسلام لا يُمَيِّز بين إنسان وآخر، لا في العِرْق ولا في الجنس ولا في النّسب ولا في المال، كما جاء في خطبة حجّة الوداع أَنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال: ( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ )، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم- : ( أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، إِلا بِالتَّقْوَى).

وعند دراستنا لهذا التوجيه النبوي نُلاحظ المساواة الكاملة بين الناس، فالناس كلّهم أولاد آدم فلا فضل لإنسان على إنسان، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وهذه القاعدة يتساوى في ظِلّها الناس على اختلاف منابتهم وأصولهم، فكلّما كان المرء أتقى لله، كلما ارتفع قدره  وَسَمَا نجمه في المجتمع الإسلامي.

  أيها المسلمون :

من الأمور المُؤسفة في هذه الأيام أنّ كرامة الإنسان قدْ دِيست، وأنّ الاعتداء على حياته أصبح سهلاً و هـيّناً، فنسمع عن بعض حوادث القتل في بلادنا المباركة، حيث يُقتل الرجال ويُيتم الأطفال، وتُرمل النساء، و تُخرب البيوت، وتُصاب الأمة بحالة من الذّعر، وهذا كله يخالف تعاليم الإسلام التي تنص على حُرمة الإنسان المسلم.

بمَ يجيب القاتل يوم يأخذ المقتول بتلابيبه بين يدي ربّ العالمين؟! ويقول: يا ربّ سلْ هذا لِمَ قتلني؟ ويتَّم أطفالي؟ وخرَّب بيتي؟ وهدم سعادتي؟ وأدخل الحزن على أهلي؟.

إِنّ المجتمع في الإسلام ، مجتمع يسوده الحبّ الخالص والودّ والصفاء والتعاون والإيثار، لا مكان فيه للأنانية والأحقاد والتّدابر والتّناحر، لذلك فإنّ الواجب على كلّ مسلم أن يُحسن إلى أهله ، وأن يصل رحمه، وأن يُعامل جاره معاملة حسنة ، كما يجب علينا أن نتحابب فيما بيننا، وأن نكون كالجسد الواحد في السّراء والضّراء .

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله ....

الخطبة الثانية :

أيها المسلمون :

إِنَّ حقوق الإنسان في الإسلام تنبع من كتاب الله وسنة رسوله – صلّى الله عليه وسلّم – ، وليست نتيجة ظروف طارئة أو مطالب تقدّم بها الناس، فهي جزء لا يتجزأ من الإسلام عقيدة وشريعة ، تتجسّد في علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من الناس، وأنّ تلك الحقوق عند المسلمين هي واقع عملي وَمُمَارسة سلوكية ، وليست مجرد تصور نظريّ كما يفعل أعداء الإسلام حيث إنهم يُجاهرون باحترامهم لحقوق الإنسان بينما هم يُهلكون الحرث والنّسل، ومن المفارقات الخطيرة أنّ العصر الحديث الذي يَدَّعي أهله أنّه عصر حقوق الإنسان  بامتياز، هو عصرُ الانتهاكات الكبرى لكرامة الإنسان وحقّه في الحياة، فقد أُهدرت كرامته وَدِيِسَتْ حقوقه.

ومن المعلوم أَنَّ ديننا الإسلامي الحنيف  يُحافظ على حقوق النّاس جميعاً بغضّ النّظر عن دينهم أو جنسهم أو لونهم، وكذلك كان المسلمون على مَرِّ التّاريخ، كما قال الشاعر :

مَلَكْنَا فكانَ العفوُ منَّا سَجِيّةً              فَلَمَّا مَلَكْتُم سَالَ بالدّمِ أَبْطـُحُ

فَحَسْبُكُم هذا التّفَرُّقُ بينَنَـا                وكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَـــحُ 

تلك هي طبيعة المجتمع المسلم، فهذا ديننا وتلك تعاليمه، وهذه أمتنا وذلك ماضيها، وهذا هو العالم وحاضره الذي يعيش فيه، وما يستوي البحران هذا عذْبٌ فُراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجَاج.

أيها المسلمون :

إِنَّ ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان تتزامن مع اشتداد الهجمة الشّرسة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضِدّ أبناء شعبنا الفلسطيني وبلادنا المباركة، فبلادنا   فلسطين تعيش انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في جميع المجالات جَرَّاء الاعتداءات الإسرائيلية على محافظات الوطن كافّة، وما نتج عن ذلك من قتل وتشريد وتنكيل، وما استهداف سلطات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين، وما يتعرَّض له أسرانا البواسل من ظُلم وتنكيل عنّا ببعيد، كما تتعرَّض مدينة القدس لمجزرة بشعة من قبل سلطات الاحتلال تستهدف الإنسان والمُقدّسات والتّاريخ والحضارة في ظِلّ تعتيمٍ إعلاميٍّ كبير، وما يحدث في حيّ الشيخ جراح وحيّ البستان وفي سلوان والعيساوية وغيرها ليس عنّا ببعيد، حتى إنَّ الأموات والمقابر لم تسلمْ من هذه الجرائم البشعة، فالاعتداءات الإسرائيلية في المدينة المقدّسة كثيرة ومتعدّدة وطالت كلّ شيء فيها من إغلاقٍ للمؤسّسات، وملاحقةٍ للمرجعيّات الشّرعيّة والشّخصيّات الوطنيّة، ونهبٍ للأرض، وهدمٍ للبيوت، وتدميرٍ للمقابر، وفرضٍ للضّرائب، وسحبٍ للهويّات، بالإضافة إلى تزوير المناهج التّعليمية وتزييف التّاريخ، فكلّ مَعْلَمٍ عربي وإسلامي فيها يتعرّض لخطر الإبادة والتّهويد، وما يجري في المسجد الأقصى المبارك بالقدس والمسجد الإبراهيمي بالخليل يُعَدُّ استباحة مُبرمجة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف تفريغ المسجدين من المُصَلّين والمُرابطين وتجفيف الوجود الإسلاميّ فيهما، من خلال منع المُصَلّين والمُرابطين من الوصول إليهما، والعالَم–الذي يَدَّعي حرصه على حماية حقوق الإنسان- وللأسف يُغلق عينيه ويصمّ أُذنيه عمّا يجري في المسجدين المُباركين من اعتداءات.

فأين حقوق الإنسان يا دعاة الحضارة والتقدم ؟!، وأين حقوق الإنسان أيتها المنظمات الإنسانية الدولية؟!، نتمنى أن يستيقظ العالم من سُبَاتِه ليقف مع الشعب الفلسطيني المظلوم وقضيته العادلة!!.    

الدعاء.....