2023-02-06

الإيمان مصدر التفاؤل والأمل


2023-01-13

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -، وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

إنّ رسالة ديننا الإسلامي الحنيف رسالة تبشيرٍ وتيسير ودعوة إلى التفاؤل والأمل والثقة في الله عزَّ وجلَّ، فرسالة الإسلام لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا الأحزان ، كما جاء في الحديث الشريف عن أَنَسِ بْن مَالِكٍ  -رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ  وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) ( 1) . 

ومن المعلوم أَنَّ الإيمان -وهو جوهر العقيدة الإسلامية- يحمل المسلم على الثقة في الله عزَّ وجلَّ، فالإيمان الصّادق يجعل العبد مُطمئنّ النّفس هادئ البال مُسْتحضراً مَعِيَّة الله سبحانه وتعالى، مُتفائلاً وآملاً وواثقاً في الله عزَّ وجلَّ في كلّ أُمور حياته الدّينية والدّنيوية، مُعتقداً أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يُدَبِّر أمور هذا الكون بقدرته عزَّ وجلَّ .

ولكنكم تستعجلون

   عند دراستنا للسّيرة النبوية نلاحظ أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم - قدْ واجه المشاق والمتاعب عندما بدأ بتبليغ الرسالة ، كما واجه المُقاطعة وجميع أشكال الأذى والتعذيب، ومن المعلوم أنَّ أذى المشركين قد اشتدَّ برسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – وأصحابه الكرام- رضي الله عنهم أجمعين-،  حتى جاء بعض الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – إليه يستنصرونه عندما اشتدَّ أذى المشركين بهم،  وعندئذ يُذَكِّر الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – أصحابه الكرام بضرورة الصبر، لأنّ الصبر يُورث الرِّضى والسّكينة ويُذهب الجَزَع، وهذه صفات المؤمنين كما جاء في قوله سبحانه وتعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (2)، وفي نفس الوقت يَبُثُّ الأمل والتفاؤل والإقدام في نفوسهم ويُطمئنهم على المستقبل،  كما جاء في الحديث عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ- رضي الله عنه- قَالَ : (شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ-  قُلْنَا لَهُ: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ قَالَ:" كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)(3).    

وهنا نتعلّم من رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- درساً في التفاؤل والأمل والثقة بنصر الله  عزَّ وجلَّ ، حيث إنّه صَبَرَ وسَلَّم الأمرَ لصاحب الأمر، فما هي إلا فترة وجيزة، وإذا بالضّيق ينقلب فرجاً والعُسْر يُسْراً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

باب الأمل والرجاء مفتوح أمام المُذنبين

من رحمة الله سبحانه وتعالى أنْ فتح باب الأمل والرّجاء أمام المذنبين، ليتوب مُسيئهم ويثوب إلى رشده شاردهم، فيدُ الله -عَزَّ وَجَلَّ- مبسوطة بالعفو والمغفرة لا تنقبض في ليل ولا نهار، تنشد مُذنباً أثقلته المعاصي يرجو الأَوْبة بعد طول الغيبة، ومُسيئاً أسرف على نفسه يرجو  رحمة ربه، وفارًّا إلى مولاه يطلب حُسْن القبول، كما جاء في الحديث أنّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -  قال: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ،  فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ،  فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ  عَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ،  فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ)(4).

إنّ باب التوبة مفتوح، وإنّ رحمة الله واسعة ، فما عليك أخي الكريم إلا أنّ تعود إلى محراب الطاعة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}(5).

 درس في التفاؤل والأمل

عند دراستنا للسّيرة النبوية الشريفة، فإننا نرى أمثلة من نور ٍكلّها تحثّ على التفاؤل، منها درس من الهجرة النبوية الشريفة، فهذا سُراقة بن مالك يلحق بالنبي صلّى الله عليه وسلّم- ليظفر بجائزة قريش مائة من الإبل لمن يأتي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم-حيَّا أو ميتاً ، وعندما لَحِقَ سُراقة بالنبي-عليه الصّلاة والسّلام- دعا عليه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فساخت أقدام فرسه في رمال الصحراء، ثم قال له الرسول-عليه الصلاة والسلام- : "يا سُراقة عُدْ، وإنني أعدك بسواري كسرى" وفعلاً عاد سُراقة .

ما الذي دفع الرسول –صلّى الله عليه وسلّم-إلى هذا القول؟ الذي دفعه إلى ذلك هو إيمانه - عليه الصلاة والسلام-بربه وثقته بنصره سبحانه وتعالى، وأمله في نصر الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين، وفعلاً تحقَّق ذلك، ونفَّذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- عهد الرسولعليه الصّلاة والسّلام-، وأعطى سُراقةَ سواري كسرى عندما فتح المسلمون بلاد فارس.

فعلينا أنْ نكون دائماً مُتفائلين مهما اشتدّت الخُطوب واحلولكت الظلمات، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإنَّ الفجر آتٍ بإذن الله، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

الثقة في نصر الله 

لقد (ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا)(6)، وأحاط بهم الأعداء من كلّ جانب، حيث اجتمع أعداء الإسلام من كلّ حدب وصوب لِمُحاربة المسلمين في غزوة الخندق، وكان المسلمون –وقتئذ- في حالة صعبة كما وصفهم القرآن الكريم.

وفي وسط هذا الكرب والخوف والشّدّة والضّيق ظهرت الفئة المؤمنة المُطمئنة، الواثقة في الله سبحانه وتعالى، المُسْتيقنة بنصره عزّ وجلّ، إنها الفئة المُتَأَسِّية برسول الله-صلّى الله عليه وسلّم -، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (7)، وكان الصحابة الكرام –رضي الله عنهم أجمعين- المُقْتدين برسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-، مُرْتَبطين بالعُرْوة الوثقى التي تشدّهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتمنعهم من السّقوط، وتُجَدِّد فيهم التفاؤل والأمل، وتحرسهم من القُنُوط، فقد كانوا صادقين في لُجُوئهم إلى الله سبحانه وتعالى، يُطَبِّقون ما يُعلِّمهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم - صباح مساء.

 وَخَتَمَ الله هذه المعركة بنصرٍ حاسم، ودارت الدّوائر على أعداء الله جميعًا، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (8).

لذلك فإنَّ الواجب على المؤمن أنْ يكون دائماً واثقاً في الله عزّ وجلّ مُتفائلاً بفرجه سبحانه وتعالى، كما ورد عن تميم الداري- رضي الله عنه-، قال: سمعتُ رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ – يعني أمر الإسلام - مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ ‏ ‏مَدَرٍ ‏ ‏وَلا ‏ ‏وَبَرٍ ‏، ‏إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ،  بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ)(9).  

وكلمة مَا بَلَغَ الليل والنهار في هذا الحديث الرائع كلمة جامعة من خصائص البلاغة المُحمدية، ولا أرى نظيراً لها في الدلالة على السّعة والانتشار‍.

فعلينا أنْ نكون مُتفائلين، وأنْ نثق بفرج الله سبحانه وتعالى ونصره عزَّ وجلَّ، وأنْ نُوَكِّل الأمرَ لصاحب الأمر، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإِنَّ الفجر آتٍ بإذن الله سبحانه وتعالى، ورحم الله القائل:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بها الفَتَى         ذَرَعاً، وعندَ اللهِ منها المَخْرجُ 

ضَاقَتْ فلمَّا اسْتَحْكَمتْ حَلَقَاتُها         فُرِجَتْ، وكنتُ أَظُـنُّها لا تُفْرَجُ

ونحن في هذه البلاد المباركة ورغم كلّ الظروف الصّعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني المُرابط، إِلاَّ أَنَّ ثقتنا  في الله عظيمة، وأملنا قوي في غدٍ مُشرق عزيز بإذن الله سبحانه وتعالى، فما زالت الآيات القرآنية تَتَرَدَّدُ على مسامعنا :{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(10)؛ لتقول لنا جميعاً: سيأتي الفرج بعد الضّيق، واليُسْر بعد العُسْر، فلا نحزن، ولا نضجر، فلن يغلب عُسْرٌ يُسْرين بإذن الله.

اللهم احفظ شعبنا وأمتنا ومقدساتنا من كل سوء

 وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه البخاري

2- سورة البقرة  الآية(153)     

3-  أخرجه البخاري

4 - أخرجه مسلم

5- سورة الفرقان، الآية (70)    

6- سورة الأحزاب، الآية(11)

7- سورة الأحزاب، الآية(21)

8- سورة الأحزاب، الآية(25)  

9- أخرجه أحمد

10- سورة الشرح ، الآية (5-6)