2022-08-14

فضــل عشــر ذي الحجـة ، والأضحيـة
2006-12-22

 

       

 

الحمد لله، له أسلمت، وبه آمنت، وعليه توكلت .

 إن العمل الصالح في الأيام العشر أحب إلى الله تبارك و تعالى من العمل فيما سواها من الأيام ، وهذا ليس مقتصرا على الحج إلى بيت الله الحرام ، بل يشمل الصلاة ، وتلاوة القرآن الكريم ، وذكر الله – سبحانه وتعالى  والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم ، وصلة الرحم ، وبر الوالدين ، وزيارة المرضى  ،  وإذا عرف المسلم فضل عشر ذي الحجة ، وشرف العمل الصالح فيها ، فحرى به أن يجاهد نفسه لاستغلالها وتنويع القربات فيها ، واغتنام أيامها ولياليها بالعمل  الصالح ، لما روي عن رسول ا لله صلى     الله عليه وسلم أنه قال : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى ا لله عز وجل من هذه الأيام-يعني الأيام العشر-قالوا يارسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله، قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) ( 1)  .

                يالها من أيام مباركة عند الله عز وجل، الأعمال الصالحة فيها مضاعفة، والثواب كبير.

                وهذه الليالي العشر المباركة الطيبة أقسم بها ا لله في كتابه الكريم حيث يقول: {وَالْفَجْرِ*  وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (2) ، قال ابن كثير رحمه الله : المراد بها عشر ذي الحجة. وقال عز وجل: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ } (3  ) ، قال ابن عباس : " الأيام المعلومات عشر ذي الحجة " ،    فرحم الله عبداً استقبل هذه الأيام الفاضلة بالتوبة، وطاعة الله، وأكثر فيها من صالح الأعمال، وكريم الفعال، فصام وصلى، وتصدق وتزكى .

                إن هذه الأيام المباركة تقع في شهر ذي الحجة ، وشهر ذي الحجة هو أحد الشهور الحرم وهي ( ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ) ، كما ورد في قوله تعالى {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } (4)   ، وقد سميت حرماً لأنها معظمة محترمة تتضاعف فيها الطاعات ويحرم القتال فيها .

فما بال أبناء شعبنا الفلسطيني المرابط لا يراعون حرمة لهذه الشهور الحرم ، أو الأيام المباركة ، فقد ساءنا ما شاهدناه في شوارع قطاع غزة من قتال بين الأخوة وما نتج عن ذلك من تيتيم للأطفال ، وترميل للنساء ، وخراب للبيوت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

                لقد حذر نبينا عليه الصلاة و السلام من ذلك فقال: ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) (5 )، وقال أيضاً :  ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا من عامكم هذا إلى يوم القيامة وان حرمة المؤمن عند الله أشد من حرمة الكعبة) (6)، ويقول عليه الصلاة والسلام السلام أيضاً: "لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار"(7) .

                كما وبين الله عز وجل الغضب الشديد الذي يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً"(8) ، وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لسلامة  الإنسان وكرامته وعدم الاعتداء عليه وقتله فقال عليه السلام: "لا يحل دم إمريء مسلم إلا باحدى ثلاث خصال : الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (9) .

                ومع ذلك ورغم الجراح فقد فرحنا لإتفاق الأخوة على إنهاء الصراعات و الترفع على الخلافات ، ونسيان الجراح ، والنظر إلى المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ، وفتح صفحة جديدة تعيد للقضية الفلسطينية وجهها المشرق ، وللشعب الفلسطيني مكانته الرفيعة عند أشقائه من الأمتين العربية والإسلامية .

 

            إن المسلمين  يستعدون  في هذه الأيام لشراء الأضاحي استجابة لسنة أبينا إبراهيم عليه السلام وللنداء النبوي  ( ما عمل آدمي  من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً ) ( 10 ) .

كما ويستحب للمضحي ألا يأخذ من شعره شيئا لقوله عليه السلام ( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره – وفي رواية " ولا من بشرته " – شيئاً حتى يضحي ) (11), والحكمة من ذلك أن تعم المغفرة جميع الجسد .

والأضحية تصح من ( الإبل والبقر والغنم ) ،  ومن  الغنم الضأن  ما أتم ستة أشهر بحيث إذا وضع بين الحوليات لا يميز عنها ، ومن الماعز ما أتم سنة ودخل في الثانية وتكفي عن رب أسرة ، ومن الإبل ما أتم خمس سنوات ودخل في السادسة ، ومن البقر ما أتم سنتين ودخل في الثالثة وتكفي عن سبعة .

والأضحية واجبة عند الأحناف على مالك نصاب الزكاة ، وعند الأئمة الثلاث سنة مؤكدة ، وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها ، ( وقد ضحى النبي – صلى الله عليه وسلم – بكبشين أقرنين أملحين ) (12 ) .

والحكمة في الأضحية :

-     التقرب إلى الله تعالى بها ، لقوله سبحانه وتعالى : {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (13)  ، وقوله
 :{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*  لاَ شَرِيكَ لَهُ }  (14)  ، والنسك هنا هو الذبح تقرباً إليه سبحانه وتعالى .

-     إحياء سنة إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل، ثم فداه بكبش فذبحه بدلاً عنه ، قال تعالى :  {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (15) .

-       التوسعة على العيال يوم العيد وإشاعة الرحمة بين الفقراء  والمساكين .

-     شكر الله تعالى على ما سخّر لنا من بهيمة الأنعام ، قال تعالى  { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *  لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } (16)  .

ومن المعاني الإيمانية الموجودة في الأضحية ترسيخ مبادئ صلة الرحم التي أكد عليها الإسلام في قوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } (17) ،وفي قوله عليه السلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل
 رحمه )(18) ، وعن أنس رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ  له في أثره فليصل رحمه ) (19).

وتعد الأضحية إحدى وسائل صلة الرحم حيث اشترط في توزيع الأضحية أن يهدي منها للأقارب وكانت السنة في توزيع الأضحية أن يقسمها إلى ثلاثة ثلث لنفسه وأهله، وثلث لأرحامه، وثلث للفقراء والمساكين .

نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه

تقبل الله منا ومنكم الطاعات

الهوامش :

(1) أخرجه البخاري.

(2) سورة الفجر ، آية 1-2.

(3) سورة الحج، آية  28.

(4) سورة التوبة ، آية36.

(5 ) أخرجه الشيخان .

(6 ) أخرجه البخاري

(7) أخرجه الإمام مسلم والترمذي

(8) سورة النساء ، آية  93

(9) أخرجه الشيخان

(10) أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم .

(11) أخرجه مسلم

 (12) متفق عليه .

(13)   سورة الكوثر ، آية  2

(14)  سورة الأنعام ، آية 162-163

(15) سورة الصافات ، آية 107.

(16) سورة الحـج، آية 36-37

(17) سورة النساء، آية 36.

(18) متفق عليه.

(19) متفق عليه .

 

 


 

إن العمل الصالح في الأيام العشر أحب إلى الله تبارك و تعالى من العمل فيما سواها من الأيام ، وهذا ليس مقتصرا على الحج إلى بيت الله الحرام ، بل يشمل الصلاة ، وتلاوة القرآن الكريم ، وذكر الله – سبحانه وتعالى – والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم ، وصلة الرحم ، وبر الوالدين ، وزيارة المرضى  ،  وإذا عرف المسلم فضل عشر ذي الحجة ، وشرف العمل الصالح فيها ، فجزى به أن يجاهد نفسه لاستغلالها وتنويع القربات فيها ، واغتنام أيامها ولياليها بالعمل  الصالح ، لما روي عن رسول ا لله صلى     الله عليه وسلم أنه قال : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى ا لله عز وجل من هذه الأيام-يعني الأيام العشر-قالوا يارسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله، قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) .