2022-08-08

من أرض الإسراء والمعراج ....
2006-12-15

 

 

 

            على بركة الله تبدأ اليوم الجمعة  وفود الرحمن تؤم بيت الله العتيق، على بركة الله تسير قوافلهم يحذوها الشوق والإيمان لتحظى ببركات زيارة مسجد الحبيب   صلى الله عليه وسلم-             حيث إن حجاج فلسطين براً وجواً- يقصدون المدينة المنورة أولاً عند وصولهم إلى الديار المباركة بالمملكة العربية السعودية حيث يقضون فيها أياماً مباركة يتمتعون بالصلاة في مسجد الحبيب صلى الله عليه وسلم، فالصلاة في مسجده عليه السلام بألف صلاة ، ويسلمون عليه وعلى صاحبيه الكريمين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويتمتعون بزيارة البقيع وقبور الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين .

 ثم يذهبون إلى ذي الحليفة (آبار علي) حيث يحرمون من هناك بالحج، أو بالعمرة متمتعين بها إلى الحج، أو قارنين، كل حسب نيته حيث يقصدون مهبط الوحي الذي عمّ البلاد، لتكتحل عيونهم بالطواف حول الكعبة المشرفة،  ومن تيسر له منهم تقبيل الحجر الأسود قبله لقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" ، ولكن علي الحاج  أن يبتعد عن إيذاء إخوانه من ضيوف الرحمن ، وبعد ذلك يصلون ما تيسر لهم ، ثم  يشربون من ماء زمزم، وزمزم لما شرب له، ثم يقومون بالسعي بين الصفا والمروة ، وبعد ذلك يكمل الحاج المناسك حسب نيته التي نواها عند الإحرام .

 وعليك أخي الحاج أن تستكثر من الصلوات بلا كلل، واعلم أن ركعة في بيت الله الحرام تساوي في الفضل مائة ألف ركعة فيما سواه، واخفض من صوتك، واغضض من بصرك، وأحسن لمن أساء إليك، وكن كالنخلة يقذفها الناس بالحجارة وتلقي إليهم الرطب الجني، وإن استطعت أن تكون خادماً للضعفاء، وعوناً لذي الحاجة، فلا تبخل بما أعطاك ا لله  من صحة ومال، فان من أجل مناسك الحج التعاون على البر والتقوى، واعلم -أخي الحاج- أنك ستفتح مع ا لله صفحة جديدة، وسترجع بثوب ناصع أبيض، وصحيفة بيضاء، فلا تسودها بالمعاصي قبل رجوعك وكما جاء في الحديث (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) .

 

فنحن الآن في أيام الحج، والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام،                   ووفود الرحمن تؤم البيت العتيق، فقد ورد أن الرسول عليه السلام قال: " الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" (1)، وهو مغفرة للذنوب حيث إن الحاج يفتح صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى، فقد ورد أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال :             " لما شرح الله صدري للإيمان أتيت النبي صلى الله عليه وسلم- فقال : يارسول الله : ابسط يدك لأبايعك ، فبسط الرسول عليه السلام يده، يقول عمرو: فلما بسط يده، قبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟! قلت يا رسول الله أشترط؟ قال، وماذا تشترط؟ أن يغفر لي: فقال يا عمرو: أما علمت بأن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله" (2)

إن الحاج الفلسطيني يخرج من فلسطين الأرض المباركة، يترك أهله، ووطنه، ويعبر الحدود والمعابر من دولة إلى دولة حتى يصل إلى الأرض المباركة بالمملكة العربية السعودية، فقد ورد أن الرسول عليه السلام قال : " بأن السفر قطعة من العذاب" دلالة على ما يواجهه المسافر من عنت ومشقة، وهذا ما دفع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لتقول : " لولا أن أخالف حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقلت بأن العذاب قطعة من السفر" .

فهناك من الحجاج من يمنعون من السفر، أو لا يسمح لهم، أو لا يستطيعون فكل هذا لن يضيع سدى فالأجر على قدر المشقة، فالحج رحلة لا تخلو من مشقة، يبذل فيها المسلم من نفسه وماله حيث إن الحج يجمع ما بين الجسم والمال، فهو عبادة بدنية مالية .

وهناك في الأرض المباركة يلتقي الحاج الفلسطيني مع إخوانه الحجاج من كل فج عميق، الذين جاءوا من كل حدب وصوب وهم في لباس واحد،  ويقصدون بيتاً واحداً، ويسألون رباً كريماً، ويدعون بدعاء واحد ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ) .

ترى الصغير والكبير، الغني والفقير، القوي والضعيف، العربي والعجمي كلهم أخوة               " يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (3) .

إن الإسلام ساوى بين أبنائه " إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون" (4) .

فهل تستفيد الأمة من هذه الوحدة، ومن وقوفهم جميعاً على جبل عرفات في وقت واحد، ولباس واحد، وهم يرددون دعاء واحداً ليكونوا كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، خصوصاً في ساعات الشدة كحال الأمة العربية والإسلامية اليوم من ضعف وتشرذم حيث تعيش الأمة مرحلة الضياع، فقد ضربت الأنياب الحاقدة في جسدها من كل جانب، وسلبت الثروات، وقتلت الأبرياء، وأهلكت الحرث والنسل .

فهذا المؤتمر السنوي فيه خير كثير للعالم الإسلامي، فعلى الأمة أن تستفيد منه بدراسة أحوالها، وأسباب مرضها، وطرق شفائها، فالطريق واضح وبين" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي" (5) .

 

حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور

 

 

* الهوامش

(1)    أخرجه مسلم

(2)     أخرجه مسلم

(3)     أخرجه أحمد في مسنده

(4)     سورة الانبياء، الآية (92) .   

(5)     أخرجه الشيخان في صحيحهما.